Privat /Virginia Rojas Siegel
11. أكتوبر 2022

عمر عبد الله.. بالإيمان تتحقّق الأحلام والأهداف

كثيراُ ما نلتقي بأشخاص ونسأل أنفسنا، كم يبلغون من العمر؟ ومتى استطاعوا تحقيق كلّ هذا؟ عمر عبد الله واحد من هؤلاء الشباب الذين يعملون جاهدين على التغيير. ويسعون لتحقيق أهدافهم أينما حلّوا! المكان ليس مهمّاً بالنسبة لهم عندما يتعلّق الأمر بالعمل الإنساني! فرحلة عمر لم تبدأ منذ 8 سنوات حين وصل إلى ألمانيا فحسب، بل سبقت ذلك بكثير.

اليونان موطن الأساطير ولهفة البدايات

قضى عمر عشر سنوات من عمره في اليونان. بلورت شخصيته وما هو عليه الآن. في البداية درس التعويضات السنية واشتغل فيها، واكتشف ميوله تجاه علم النفس والفلسفة. ودفعته سخرية أحد الشباب من جهله لحدود إسبانيا الشمالية للتعمّق في الجغرافيا، ثمّ إلى سلسلة متوالية من القراءات بدءاً من التاريخ وانتهاءً بكتب الفلسفة ومقارنة الأديان. “ساعدني صديق قادم من سوريا لدراسة الدكتوراه في علم النفس وكان مثقفا كبيراً. استضفته في بيتي وكنت أقضي ساعات طويلة في سماع حديثه وتحوّل ذلك فيما بعد ليصبح حواراً بيننا”. كما أنّ تأثره بأخيه الأكبر كان له دور كبير في حبّه للقراءة، وكرهه لنظام الأسد في سوريا دفعه لاختيار توجّه سياسي معارض: “شاركت بالمظاهرات ضد الأنظمة الدكتاتورية في العالم وشاركت بالعمل الإنساني، إقامتي في اليونان كان لها دور كبير في تغيير حياتي”.

العودة إلى سوريا

لم يتوقّف عمر عن تطوير نفسه فبدأ بتعلّم اللغة الصينية عند عودته إلى سوريا. “لأنني سمعت حواراً مع الرئيس اليوناني الذي سئل: لو عاد بك الزمن إلى الوراء ماذا كنت ستتعلّم؟! فأجاب أنه يريد تعلّم اللغة الصينية لأن المستقبل سيكون للصين”. كما أنه التحق بعدّة دورات حول البرمجة اللغوية العصبية. وقدّم المساعدة للأطفال والطلاب. ثم قرّر دراسة رياض الأطفال في الجامعة فنجح فيها. ثم أسس حضانة للأطفال في منطقة القابون. وعندما اشتعلت الثورة في سوريا شارك بشكل فعّال جداً في مجال العمل الإنساني كدعم للأطفال والنساء والعائلات، والعلاج النفسي والفيزيائي. وكان يعمل بنفس الوقت في الحضانة بشكل يومي ومجّاني. وفي منتصف 2014 كان من الضروري أن يخرج من سوريا لأسباب أمنية بسبب اعتقال أشخاص كان يعمل معهم.

بين لبنان وتركيا

تخطّى عمر صعوبة الطريق ووصل إلى لبنان، حيث اشتغل كثيراً في مجال العلاجين النفسي والفيزيائي. ودرس مع أصدقائه فكرة إنشاء مشفى لكنّ الملاحقة الأمنية طالته في لبنان أيضاً فاضطرّ إلى مغادرته حيث عانى من العنصرية هناك بسبب اسمه أيضاً وتوجّه إلى تركيا. وفي إسطنبول بدأ مشواره من جديد مع تعلّم اللغة منذ اليوم الأول والانخراط في العمل. “كنت أفكّر بالبقاء فيها، لأبقى قريباً من سوريا وأستمرّ في المشاركة بالدعم عبر إرسال الأدوية والمستلزمات إلى الداخل. فوجدت عملاً في دائرة التعويضات السنّية وكنت أسعى لتعديل شهادتي”. ما لبث أن غادر تركيا بسبب شروط الحياة الصعبة فيها. وبدأ رحلة لجوء طويلة وصعبة مجدّداً عبر الجزائر، تونس ثمّ ليبيا إلى إيطاليا وعدّة دول أوربية ومنها إلى ألمانيا هذه المرّة.

بدايات العمل التطوّعي في هامبورغ

عندما وصل إلى هامبورغ لم يتوانَ عن البدء سريعاً بدراسة اللغة الألمانية وحضور عدّة جلسات تعليمية خلال اليوم في مخيم استقبال اللاجئين. “وفكّرت خلال هذه الفترة بتبسيط اللغة الألمانية للأشخاص الموجودين. وبدأت مع صديق لي فعلاً بـ 10 طلاب ووصل عدد الطلاب عندي إلى حوالي 60 شخص”.

ساهم أيضاً بالتشجيع على العمل التطوّعي من خلال حملات تنظيف للكامب وخارجه، والمشاركة بحفلة عيد الميلاد وتوزيع الورود للموظّفين هناك. وساعد في حلّ المشكلات والقيام بنشاطات دائمة. وفي الوقت نفسه استطاع جمع ألبسة لأطفال سوريين في حضانة تركية وإيصالها إليهم بمساعدة مدرّسته. ثم حصل على فرصة العمل في Bundesfreiwilligendienst مع الأطفال لمدّة سنة كاملة.

مع Ipso درس الدعم النفسي والاجتماعي لمدّة سنة ثمّ حصل على عقد عمل معهم. وقام خلالها بحملات للدعم النفسي في مخيمات استقبال اللاجئين. حيث ساهموا في تغيير الصورة النمطية التي تسيطر على مجتمعنا تجاه اللجوء للدعم النفسي.

تأهيل وتطوير

ولأنه شعر بأهمية الدعم النفسي للاجئين الذين يحتاجون إلى من يفهم طبيعتهم وظروف حياتهم والظروف القاسية التي تعرّضوا لها. تقدّم إلى الجامعة هامبورغ وحصل على مقعد فيها لدراسة العلاج والإرشاد النفسي. وخلالها حصل على شهادة بعد حضوره Curriculum عن “بناء السلام وفكّ النزاعات العالمية”. وبدأ العمل في Centra Hamburg كمرافق للمرضى وفي شبكة التواصل مع جمعيات ومنظمات أخرى، ثم حصل على تدريب للعلاج بالإبر الصينية ويعمل حالياً كمعالج بالإبر الصينية ويعمل على تدريب المرافقين للحالات الخفيفة والمتوسّطة. وكان قد أسس جمعية دوبامين هامبورغ التي تساهم في تخفيف الضغط الذي يعاني منه قطاع الصحة النفسية في هامبورغ.

دوبامين والفوز بجائزة (Annemarie Dose) للالتزام الاجتماعي

رغم صعوبات تأمين مكان للجلسات إلّا أن ذلك لم يحلّ دون قيامه مع رفاقه بعدّة نشاطات. منها جلسات اليوغا وجلسات جماعية وفردية للإرشاد النفسي والاجتماعي. ومشروع كورال مشترك بدأت خطواته إحدى المؤسسات للجمعية المرشدة النفسية والاجتماعية فداء إدريس. كما أسسوا موقعاً الكترونياً بالإضافة إلى زيادة عدد المتطوّعين. العمل المضني لمدّة ما يزيد عن سنتين والذي ازداد صعوبة في فترة الحجر الصحيّ خلال جائحة كورونا. توّج بجائزة (Annemarie Dose) للالتزام الاجتماعي. “فوز دوبامين كان جميلاً بالمنافسة مع 200 جمعية، وكان تتويجاً لعملٍ مضنٍ ساعدنا فيه حالات صعبة لتجاوز مشاكلها”.

مشروعه الخاص لدعم السوريين في الداخل

عمله وإنجازاته هنا لم تنسه سوريا وما يحدث فيها، ما دفعه أيضاً مع مجموعة من أصدقائه ومعارفه إلى جمع مبالغ شهرية بسيطة هدفها مساعدة طلاب المدارس في منطقته. لتامين المستلزمات المدرسية الكاملة لحوالي 40 طفلاً من الأطفال في المرحلة الابتدائية. ومساعدة طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية بتأمين دورات تقوية خاصّة، ومساعدة طلاب اضطروا لترك المدرسة بالعودة إلى الدراسة. “وفي الشهر القادم سنبدأ بمساعدة طالبات وطلاب الجامعة بمنحة شهرية، لحمايتهم مما يحدث في الجامعات من ابتزاز قد يطالهم أخلاقياً. وتشجيعهم على المشاركة في دعم غيرهم كإعطاء الأطفال دروس تقوية. وبالتالي أشجّع الجميع على تطبيق الفكرة لتشمل سوريا كلها ولنتمكن من مساعدة أكبر قدر ممكن من الطلاب “.

s