قبل أن تصعد غالية بن علي إلى مسرح كامبناغل هذا السبت، يبدو الحوار معها كالدخول إلى مساحة تشبه صوتها الواثق والمليء بالتجربة. إنها لا تتحدث عن الفن كمسار مهني، بل كرحلة عيش. رحلة تقاسم تكوينها كل من تونس وبلجيكا. ولهذا، ربما حين نسألها عن نشأتها بين تونس وبلجيكا، لا تجيب بلغة المقارنة، بل بلغة التجربة. ” فكرة أن هناك أنظمة مختلفة تعني أن تعيش هذا بشكل حقيقي ولا تعامله على أنه شيء افتراضي، هذا شيء حقيقي. وبين الحياة في تونس بطريقه ما، بلغه ما، بطريقة تفكير ما، والتحول إلى ثقافة أخرى وأفكار أخرى وطريقة عيش مختلفة. تبدأ بالبحث عما يجمع هاتين الحياتين”.
وبالنسبة لها هذا لا يعني أن يعيش المرء فصاماً بينهما خاصة حين يكون الشخص ثابتاً ويعكس هذا الاختلاف بين عوالمه. “فهذا يعني أنك تتحرك وتفتح قلبك لتجربة أكبر. أما فنياً فهذا واضح، عندما فتحت قلبي فهمت كل الثقافات الأخرى وبلجيكا كانت مقراً لثقافات عديدة”.
ما بين صوتين… يولد صوت ثالث
في موسيقاها، لا يبدو المزج بين الجاز والتراث قراراً واعياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لهذا العيش بين عالمين. فغالية تطلق على موسيقاها اسم (الموسيقا العربية المعاصرة Contemporary Arabic Music) لكنها تنسبه للجاز. “لا أقصد هنا الجاز كـ لون وإنما الجاز كطريقة تفكير كطريقة لتكون دائماً في قلب التجربة”.
تحدثت عن الإصغاء، عن تلك اللحظة التي تسبق الصوت، حين “تُسمع بالقلب والروح”، فالجاز بالنسبة لها هو أكثر موسيقا قادرة ان تكون نقطة اللقاء بين ثقافتها العربية والغربية. لكن ذلك لا يعني أن تسمع وتقلّد ما تسمعه. ” حين أرد بالموسيقا سأرد بمعرفتي، بذوقي وبأفكاري”. وحين تقول ” نمتلك الارتجال وهم لديهم الجاز” يبرز تفردها.
غالية لا تحاول في هذا التقاطع أن تعرّف نفسها كحافظة للتراث أو مجددة له. لكنها تشعر بالمسؤولية فهي تعيش في الغرب. وتحب أن يسمعوا ويعرفوا ثقافتنا وحكاياتنا وتراثنا. لكن أغانيها الخاصة جديدة “لدي 12 ألبوم. وباستثناء ألبوم أم كلثوم، كل أغاني ألبوماتي جديدة، لحنتها وكتبت البعض منها”. وسواء كان ما تفعله تجديداً للتراث أو امتداداً له. فهي حين تختار أغنية قديمة لتغنيها “تزيل الغبار عنها”، ورغم أنها تبقى في المدرسة التراثية لكن ما تقدمه بطريقتها هو ما يهمها.
حين تبتعد عن نفسها..
بعيداً عن الغناء، تذهب غالية إلى التمثيل كمن يجرّب أن يكون شخصاً آخر، ولو مؤقتاً: “عندما أرغب بالابتعاد عن غالية بن علي المغنية وخوض تجربة جديدة مختلفة تماماً. أدخل في عالم شخصيه جديده لا تكون أنا وأجرب من خلال هذه الشخصية كل ما تعلمته، كل تجربتي كغالية الإنسانة كغاليه المستفيدة من غالية المغنية وما تعلمته من المغنية”.
لكن حتى هذا الابتعاد، يبدو في جوهره عودة بطريقة أخرى إلى الموسيقا. ومع أن التمثيل هو استحضار لكتلة التجارب الأخرى ومع أنه مهم جداً بالنسبة لي. إلا أن “التجربة الأساسية في الموسيقا والغناء”.
الحضور… لا الاسم
أما حديثها عن الصوفية فله بعد آخر فحين يُطرح عليها سؤال عن الصوفية، لا تتحدث عن نصوص أو مدارس، بل عن شيء أبسط وأكثر صعوبة. تتحدث عن الحضور. ” إنه “الحضور” على المسرح، الحضور في كل شيء أعمله”. وبهذه الفلسفة العميقة تعتبر التجربة الصوفية الحقيقية الأصلية هي أن يمشي الفنان في الطريق. دون أن يدّعي أنه يهتم بالصوفية. “أنا مشيت في طريق ما بقلب وبأمانة وبصدق ولم تكن نيتي أن تكون صوفية فأنا لم أدرس الصوفية، لكنني أمشي في طريقها. ورغم تواضع تجربتي، لكنّ الطريق سيعلمني، هذه هي التجربة الصوفية بالنسبة لي”.
الإحساس.. بين جمهور يسمع وجمهور يفهم
وحين تتحدث غالية عن الجمهور لا تفضل جمهوراً عن غيره وإنما ترى أن هناك اختلافاً في التجربة فحسب. “أنا بحاجة للجمهور الأوروبي وأحتاج الجمهور العربي”. في البداية علّمها الجمهور الأوروبي، الذي يسمع دون أن يفهم، أن تحس قبل أن تفكر وقبل أن تغني. “لم أكن أترجم للجمهور ما يقال وكنت أقول لهم أن الأغاني العربية لا تترجم بلغه ثانية، بل بالإحساس”.
بينما تعيش مع الجمهور العربي من جهة أخرى لحظات مختلفة، “يا سلام عندما تكون قد تعلمت الغناء بإحساس وفجأة تجد نفسك أمام جمهور يفهمك. عندها تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها أن تشرح وتشعر أن هناك مدىً وأن هناك ما يخصنا معاً”. وبين هذين العالمين، يتشكل شيء ثالث: مساحة تخصها وحدها، وتجمع الاثنين دون أن تشبه أياً منهما.
وفي كل مرة تغني فيها في كامبناغل، لن تكون غالية بن علي مجرد صوت على المسرح. بل ستبقى تجربة تُعاش أكثر مما تُشرح.
