Foto: Privat/ 30x30/Razan Sabbagh
27. يناير 2024

الفن ومحاولات فهم الواقع عند رزان صبّاغ

الفن ومحاولات فهم الواقع يمكن أن يكون شعاراً بالنسبة للكثير من الفنانين. يبدأ مشروع “رزان صبّاغ” دائماً بفكرة تحاول فهم جوانبها فيتحوّل الأمر إلى عمل فنيّ مبدع. فالفن بالنسبة لها يرتبط بإيمانها بالتغيير. وهو لم يكن يوماً بعيداً عن الحياة اليومية وتفاصيلها. وبين تخرّجها من كلية الفنون الجميلة في دمشق وحصولها على شهادة الماجستير من جامعة HBKSaar للفنون في ألمانيا العديد من المشاريع والمشاركات الناجحة في عدّة مجالات. منها مجال الفن البصري وفن الأداء. كمشاركتها في Museum für Kunst und Gewerbe مسرح كامب ناغل، ومسرح تاليا في هامبورغ ومتحف الشارقة للفنون ومعهد جوته في باريس، وفيCasino Display بلكسمبورغ.

مفهوم الفن وفهمه للتغيير

وجدت رزان أن مفهوم الفن هنا مختلف كثيراً “اللغة الفنية مختلفة تماماً وكذلك طريقة ربط الفن بالحياة اليومية”. “فالمفهوم الكلاسيكي لمصطلح (الفنون الجميلة) الذي نستخدمه غير موجود هنا. احتجت فترة طويلة لأفهم ماهية الفنون”. وفي تلك الفترة كان لدى رزان المقومات التي تفتح باب دعوتها للمشاركة في المعارض على مصراعيه، فهي فنانة سورية لاجئة في ألمانيا. لكن وعيها لفكرة عدم فهمها للنظام هنا. ولعدم فهم استخدامات اللغة وأبعادها في مجال التهكّم والسخرية مثلاً رغم قدرتها على التحدّث بها دفعها إلى رفض المشاركة أحياناً.

عمل المؤسسات الثقافية وهيكليتها

أما فيما يتعلّق بعمل المؤسسات الفنية والثقافية فيمكن فهمها من وجهة نظر رزان عندما يتعمّق المرء داخلها. ويستطيع فهم هيكلياتها التي تتمسك بالظاهر بمصطلحات كـ Diversity والتي تعني التنوّع. أو Dekolonisation ومعناها محو آثار الاستعمار والقضاء على الرواسب التي مازالت متواجدة في هيكلية مؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتحقيق الاستقلال الحقيقي.

تجد رزان أن تلك المصطلحات التي تستخدمها المؤسسات بشكل متكرر الآن كثيراً ما تبقى محصورة بالشكليات وطريقة الخطاب ولا تتبنى تغييراً فعّالاً وملموساً. “في حين أن موضوع إنهاء الاستعمار مثلا” يكتسب زخماً. يجب علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت الأنظمة التي تدفع بهذا السرد قد قامت بالفعل بإنهاء الاستعمار”.

وتطرح مثالاً يصف تتناول المعارض والمتاحف ووسائل الإعلام لفكرة العنصرية والتمييز. لكنّه تدعو إلى ضرورة التفكير في مدى فعالية هذه الموضوعات، وفي طريقة التعامل معها حقاً. “وحين تبدو وسائل الاعلام المرئية في ألمانيا متنوعة على السطح، ولكن لديها وراء الكواليس نقصاً في التنوع الواضح بين صناع القرار. إن مجرد تنظيم فعاليات لاستخدام مصطلحات مثل إنهاء الاستعمار أو العنصرية أو الهجرة أو التنوع، دون اتخاذ إجراءات حقيقية مجدية في البنية التحتية الرئيسية لا يكفي. كما أن الإفراط في استخدام مثل هذه المفاهيم يمكن أن يجردها من معناها (..) وإذا نظرنا للوسط الفني بشكل عام يمكننا أن نجد الكثير من الممارسات غير العادلة مثل عدم المساواة الجندرية ومؤخراً التضييق على الحرية الفنية في كثير من المؤسسات الفنية والثقافية”.

سوريا لم تغب يوماً

“حين بدأت أفهم الفن كما هو هنا بدأت أعمل بشكل مختلف. واخترت الأداء في الأماكن العامة. الذي يسمّى Performance in publik spaces وهكذا أقوم بأداء ما أؤمن به وأريده دون أن أكون محسوبة على أي مؤسسة أو جهة فنية. لأكون حرّة أكثر بطريقة عملي وقربي من الجمهور”. “قمت بعروض جماعية منها عرض عنوانه 30×30 عن مساحة المعتقلات في سوريا وجلسة القرفصاء التي يجلسها المعتقلون”. وكما وصف عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس أن “البشرية يمكن تقسيمها إلى أولئك الذين يجلسون القرفصاء وأولئك الذين يجلسون على كرسي أو غيره”. يصبح لوضع القرفصاء معنى جديداً من خلال هذا المشروع . حيث تتناول رزان قضية العنف ضد المعتقلين السياسيين وفعل المقاومة للسلطة القمعية الذي يظهر جلياً من خلال جلسة القرفصاء.

كان عندي حلم

وحاولت رزان في عملها بشكل عام أن تفكك هيكلية السلطة أينما كانت. وهذا ما دفعها للعمل على قضية السجون. ورغم أنها شعرت أنه لا يحقّ لها أن تتحدث باسمهم لأنها لم تكن معتقلة يوماً. وتساءلت دائماً: “هل يحقّ لي وهل يقبل المعتقلون أن نمثلهم أو نتكلّم باسمهم أو لا؟”. لكنّها بدأت العمل وما دفعها هو أن قضية المعتقلين لم تطرح من خلال الفن بشكل واضح كما هو الحال في الصحافة والأدب.

وهذا ما دفعها إلى مشروع “كان عندي حلم” وهو عمل فني تركيبي عن سجن صيدنايا الذي يعرف بطريقته السيئة بالتعامل مع المعتقلين والحرمان الشديد من الحواس الذي يمارسونه عليهم. وباستخدام 14 شهادة عملت عليها ونشرتها رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا لمعتقلين نجوا منه. استطاعت رزان أن تنقل الزائرين إلى ذلك العالم المروّع حيث يسلّط المشروع الضوء على الوظيفة المزدوجة للصوت والصمت والاستماع. ويمكن الاستماع إلى صوتيات تشبه الصوتيات القمعية للسجن. ويظهر ثنائية متناقضة مبنية على السيطرة وما يقابلها من مرونة مذهلة للمعتقلين الذين ابتكروا طرقاً تساعدهم على كشف ما حاول السجّانون إخفاءه عنهم من خلال الاستماع.

I had a Dream

I had a Dream/ Foto: privat

قضايا اللجوء من خلال الفن

لكنّ عمل رزان لم يكن محصوراً بقضايا السوريين في الداخل. فهناك خط ثانٍ ركّزت عليه وهو الحياة في أوروبا “أي محاولة تفكيك وفهم جذور ما تقوم به السلطة هنا. وهو ما يمثّله عرض Keep an eye on you والذي يقوم على محاولة وضع العدسة اللاصقة الزرقاء داخل عيني لمدة 12 دقيقة”. يعد عرض الفيديو رد فعل على الطريقة المنحازة والتمييزية التي تطرحها بعض وسائل الإعلام الغربية في معالجة بعض القضايا. فالفعل المتكرر والإصرار على وضع العدسة الزرقاء يثير أفكاراً حول كيف يمكن للسياسة أن تشكل فهمنا للجمال والهوية والقيمة. كما تطرح أسئلة عديدة حول الغرض من الفعل سواء كان الهدف للدلالة عن الرؤية بشكل أفضل أو النظر بطريقة أفضل تجعلنا ندرك العالم. وتأثير ذلك على تشكيل هويتنا من خلال عوامل خارجية مثل تمثيل وسائل الإعلام والتوقعات الاجتماعية. بالإضافة إلى المعنى الحرفي للاندماج وفقاً لوجهة نظر فوقية تطالب بعض اللاجئين أو المهاجرين باندماج يناسب مقاييسهم.

Keep an eye on you/ Foto: Privat

Keep an eye on you

إنجازاتها لعام 2023

بالإضافة إلى حصولها على شهادة الماجستير لفت عملها المتميّز الأنظار إليها. فاختارتها Kreative Gesellschaft التي تجمع المبدعين مع شركات رائدة في هامبورغ للوصول إلى أفكار اقتصادية ـ تخصّ السياسة الاقتصاديةـ وهدفها محاولة التغيير عن طريق الثقافة من بين خمسين فنان ومبدع للعمل والتعاون لمدة سنتين مع الشركات الاقتصادية. “لكن نتائج هذا المشروع لن تظهر حتى نهاية عام 2024”.

كما كان لديها مشروع في الدنمارك “Bodies of waves” هو مشروع تستخدم فيه رزان الصوت كأداة فنية للتعمق في التفاعل المعقد بين لغة وسائل الإعلام والقضايا العميقة للهجرة والاستعمار وتغير المناخ. واستخدام استعارات المياه كاستعارة لغوية لتأطير اللاجئين والمهاجرين مثل “الفيضان” و”الموجة”. والتي تعمل على إدامة المواقف الاستعمارية بمهارة. وذلك عبر دعم فكرة جماهير مجهولة الهوية ومفهوم “الآخر”. بالإضافة إلى أنها تواجه تغيّر المناخ كشكل حديث من أشكال الاستعمار. والذي سيؤدي أيضاً إلى وجود لاجئين جدد في المستقبل لأسباب تتعلّق بتغيّر المناخ.

Bodies of waves / Foto: Privat

Bodies of waves