Foto: Marcel Gnauk/Pixabay
6. نوفمبر 2022

نصف قرن على سندويشة “دونر”.. كيف بدأت الحكاية؟

إذا أردت أن تعرف إلى أي مدى ارتفعت الأسعار في ألمانيا، فما عليك سوى تتبع سعر الوجبة التي باتت إحدى الوجبات المحلية المشهورة في ألمانيا ككل وبرلين بشكل خاص. وهي سندويش الدونر. وهذا حديث خضت فيه مع العديد من الأصدقاء الذين التقيت بهم، وتناقشنا معاً الأوضاع الاقتصادية في ألمانيا. فعندما وصلنا إلى ألمانيا وبرلين في نهاية 2014، كانت سندويش الدونر تُباع تقريباً بـ 2 يورو أو 2 يورو ونصف. أما الآن وصل سعر السندويش المحبب لكثير من أبناء الطبقة المتوسطة إلى 8 يورو وربما أكثر. حتى أن المطالبة بخفض سعر الدونر لاحق المستشار الألماني أولاف شولتز، لحظة خروجه من مؤتمر إعادة إعمار أوكرانيا، الذي عُقد منذ أسبوعين في برلين. وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو، يظهر فيه شخص يصرخ بالمستشار الألماني قائلاً له “أنا أدفع 8 يورو لسندويش الدونر، تكلم مع بوتين أريد ان أدفع 4 يورو فقط”!

نصف قرن على سندويشة الدونر

ومن هذا المدخل أريد أن آخذكم في رحلة بحثي عن تاريخ الدونر. كيف باتت هذه الأكلة الشعبية، تنافس في برلين كاري فورست، أو أي أكلة شعبية أخرى. ربما يتبادر لذهن البعض أن هذه الأكلة هي تركية مستوردة إلى ألمانيا، أو جاءت مع المهاجرين الأتراك. كما هو الحال مع الشاورما السورية، والفلافل والحمص والكشري. ولدى سؤالي لعدة محال دونر في وسط العاصمة برلين، وهي محال قديمة، عن قصة الدونر، نسب البعض القصة كلها له، فيما قال آخر أن عمّه كان مع من افتتح أول محل دونر في نفس الفترة. لكن عدّة مصادر أجمعت على أن القصة بدأت قبل 50 عاماً. مع أحد العمال الضيوف الأتراك، في العاصمة برلين، وبالتحديد بالقرب من محطة حديقة الحيوان. هذا الشخص اسمه قدير نورمان. قدم نورمان إلى ألمانيا في ستينيات القرن الماضي. وعمل في شركة داملر للسيارات في شتوتغارت، وفي 1972 انتقل إلى برلين، ولاحظ أن سكان المدينة دائماً على عجلة من امرهم، ناهيك عن الضغط الذي توّلده المدن الكبرى، والعيش فيها. فبدأ بعمل سندويشات من اللحم المشوي مع البصل، دون طماطم أو صلصة. وللأسف لم يقم نورمان بتسجيل براءة اختراع باسمه، لكن معظم الاتراك وفقاً لموقع (بيلد دير فراو) مجمعين على أنه أول من صنع الدونر.

أكثر من ألف محل دونر في برلين

على الرغم من التحول إلى المأكولات النباتية لدى العديد من الألمان والمقيمين في ألمانيا، إلا أنه وبعد خمسين عاماً يوجد الآن في ألمانيا، ما بقدر بنحو 16000 محل دونر، وأكثر من 1000 محل في برلين وحدها. لكن وعلى ذمة دراسة أجرتها خدمة توصيل الطلبات Lieferando، فإن برلين لم تعد عاصمة الدونر في ألمانيا، فالدونر في دريسدن ليس أرخص فقط، بل هو أفضل مذاقاً. الدراسة بحسب الموقع الالكتروني لصحيفة بيلد، أجريت وفقاً لعدة معايير كعدد المحلات لكل 100 ساكن والسعر والمذاق. في البداية كان العمال الضيوف الأتراك في برلين هم من يأكلون من مطعم نورمان، لكن الوجبة وبسبب سرعة إعدادها واحتواءها على اللحم، بات الوجبة المفضلة لدى الكثير من الألمان. ووفقاً لجمعية مصنعي الدونر الأتراك في أوروبا، يتم يومياً تناول 550 طناً من الدونر في ألمانيا!

قصص كثيرة ترويها سندويشة الدونر

لو أن لسندويشة الدونر لسان، لحكت لنا الكثير من القصص. ليس فقط عن التضخم الاقتصادي، بل أيضاً عن العنصرية، والهجرة، ومحاولة الوقوف على القدمين في الغربة. ففي الثمانينيات من القرن الماضي، وبعد أن بات شبح البطالة يدور حول العمال الضيوف الأتراك، وجدوا ضالتهم في مطبخهم الغني. ومع الأيام تحول بعض الطعام التركي ليصبح جزء من حياة الألمان، وخاصة اولئك الأشخاص الذي يعانون من ضيق ذات اليد. فالحصول على لحم، وسلطة، وصوص، مع رغيف خبز محمص، وبسعر قليل، جعل لسندويش الدونر جاذبية خاصة. كون العاصمة برلين فيها الكثير من الطلاب، والمهاجرين، وأصحاب الدخول المنخفضة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فمنذ 2006 استخدمت جميع وسائل الإعلام الألمانية تقريباً مصطلح “Döner-Morde” لوصف سلسلة جرائم القتل التي ارتكبت على الصعيد الوطني بين عامي 2000 و2006 على تسعة من أصحاب المحال الصغيرة من أصول تركية ويونانية مهاجرة. وفي الجانب الآخر هناك بعض وسائل الإعلام التي تستخدم مصطلح “Döner-Mafia” للدلالة على الجرائم التي تُرتكب من قبل المهاجرين الأتراك! في النهاية أود أن يترك لنا السياسيون وهواة الحروب سندويشة الدونر خارج حساباتهم. وأن لا تصبح شندويشة الدونر حلماً في الأيام القادمة. وأن يبقى سيخ الدونر يدور على الرغم من احتراق العالم!

  • هذه المقالة تأتي ضمن سلسلة مقالات تحت عنوان “حديث الأحد”. سأعلق فيها على ما يحدث سواء هنا في ألمانيا أو العالم. وهي مجرد آراء شخصية، ولا تعبر بالضرورة عن آراء فريق العمل في أمل برلين..

Foto: Marcel Gnauk from Pixabay

s