Amloud Alamir
23. أغسطس 2022

رسائل بانكسي تصل ألمانيا!

أثناء زيارتي لشوارع لندن، لفت نظري عدد من لوحات الغرافيتي على الجدران وبعضها موضوع في إطار مكسور! لأعرف لاحقاً أنها لـ”بانكسي”. فنان الجرافيتي الأكثر شهرة والأكثر غموضا الذي هويته ما زالت سراً حتى الآن. يُقال انه ولد في مدينة بريستول البريطانية، وعندما سألت هذه المدينة مواطنيها عام 2009 عما إذا كان ينبغي إزالة أعمال بانكسي من مشهد المدينة، قرر 97 % عدم القيام بذلك، بتصويت واضح لفنه. في عام 2010، وضعته مجلة تايم على قائمتها لأكثر 100 شخص مؤثر في العالم لأول مرة، إلى جانب شخصيات مثل باراك أوباما أو ستيف جوبز أو ليدي غاغا. يكمن فن بانكسي في قدرته على استخدام الفكاهة والذكاء الساخر لخداع المشاهدين للتفكير في الجدية الكامنة وراء رسائله حول الرأسمالية والسياسة والإنسانية. فنزعته للوقوف إلى جانب الحقائق الجريئة والصارخة حول عصرنا، تضعه في دور الوسيط الاجتماعي لكن تحت ستار الفن.

نفاق الشهرة

كان إخفاء الهوية هو الطريقة الرئيسية لبانكسي للعمل، ليُزيل مكانة الفنان كمشهور ويفرض بدلا من ذلك التركيز على العمل الفني. كما أنه يسمح بحرية قول الحقيقة دون النظر إلى العواقب. يلاحظ العالم أسلوبه المميز وعدم وجود أي دافع للأنا نحو الاعتراف الفني. فقد أصبح الفنان نفسه جسرًا لا يختلف عمّا تهدف أعماله الفنية إلى بنائه. ولأن الكتابة على الجدران غير قانونية، لا يزال عمل بانكسي يثير تساؤلات في المجال الاجتماعي حول الخطوط الفاصلة بين الفن العام والتخريب. ففي حين تُحمى أعماله، يُسجن فنان شارع آخر أقل شهرة لقيامه بعمل مماثل.

الجدار ساحة لمعركة

برر بانكسي تخريبه للفضاء العام، واستخدامه للمدينة كقماش، بأنه استجابة مباشرة لما أسماه “البراندمية”، “أي إعلان في الفضاء العام لا يمنحك أي خيار سواء رأيته أم لا.. الأشخاص الذين يشوهون أحياءنا حقا هم الشركات التي تكتب شعارات عملاقة على المباني والحافلات لنشعر بعدم كفاية ما لم نشتري أغراضها. يريدون لرسالتهم أن تبقى أمام وجهك دون السماح لك بالرد. لقد بدأوا المعركة والجدار هو السلاح الأفضل لضربهم”. استخدم بانكسي الفئران في فنه بشكل متكرر، وقد يقارن بعض مقتفي عمل بانكسي، أنها نوع من الصورة الذاتية للفنان الذي يقوم بعمله الغير قانوني تحت غطاء الظلام. وقال بانكسي: “إذا كنت تشعر بالقذارة أو عدم الأهمية، فإن الفئران هي نموذج جيد يحتذى به. إنهم موجودون دون إذن، ولا يحترمون التسلسل الهرمي للمجتمع”. كما أن الفئران هي كائنات تقاوم الكراهية العميقة من قبل البشر، ولديها مهارات البقاء على قيد الحياة – إلى حد ما مثل فناني الشوارع الذين يتهربون من السلطة ويعملون في كثير من الأحيان تحت غطاء الظلام.

جدار الفصل العنصري في فلسطين

تطرح لوحاته العديد من القضايا المهمة ومنها القضية الفلسطينية، فلوحة ” قاذف الزهور”، تُظهر رجلاً يُخفي وجهه بقطعة قماش وقبعته من الخلف إلى الأمام. يقف كما لو انه سيلقي زجاجة حارقة كسلاح، لكن وبدلا من السلاح، يحمل مجموعة من الزهور (وهي الجزء الوحيد من الجدارية الذي يظهر بالألوان). تقع هذه القطعة على جدار على جانب مرآب في القدس على الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيت ساحور، بيت لحم. باستبدال السلاح بالزهور، يدافع بانكسي عن السلام، مُقدماً رسالته الخاصة في منطقة شديدة الصراع، مُستخدماً فنه لنقل رسائل ذات أهمية اجتماعية.

وفي لوحة أخرى رسمها على “الجدار العازل في الضفة الغربية”، رسم صبيين صغيرين يصنعان قلاعا رملية على الشاطئ. فوقهما، رسم الفنان كـ”وهم” قسم مكسور من الجدار الرمادي الذي رسم عليه لوحته. خلال هذا الجزء المكسور الزائف، تظهر صورة ملونة لمكان جميل على شاطئ استوائي. وضع بانكسي هذا العمل على الجدار العازل الإسرائيلي الفلسطيني في الضفة الغربية في آب/ أغسطس 2005 إلى جانب ثماني جداريات أخرى. في الوقت الذي يعتبر الإسرائيليون الجدار حماية ضد الإرهاب، يعتبر الفلسطينيون أن الغرض منه هو الفصل العنصري!

وقالت المتحدثة باسم بانكسي، جو بروكس، إنه بينما كان بانكسي يصنع القطعة “أطلقت قوات الأمن الإسرائيلية النار في الهواء لتهديده، وكان هناك عدة بنادق موجهة نحوه”. ومع ذلك، تساءل بانكسي: “ما مدى عدم قانونية تخريب جدار ما إذا كانت محكمة العدل الدولية قد اعتبرت الجدار نفسه غير قانوني؟”. عند رسم هذه الجداريات، تحدث بانكسي مع رجل فلسطيني قال له: “أنت ترسم الجدار، وتجعله يبدو جميلا”، فأجابه بانكسي: “شكرا”. ليُجيبه الفلسطيني: “لا نريده أن يكون جميلا، نحن نكره هذا الجدار، عد إلى المنزل”.

الحب في سلة المهملات

في أكتوبر 2018 بيعت لوحة بانكسي الشهيرة ل Balloon Girl، والتي تظهر فتاة صغيرة تتخلى عن بالون على شكل قلب كمنارة للأمل البريء، خلال مزاد سوذبيز مقابل 1.04 مليون جنيه إسترليني. في اللحظة التي تم فيها نُطق كلمة “مباعة”، دوى إنذار من داخل إطار اللوحة، وبدأت اللوحة في التمزق من الأسفل، حيث تبين أنه آلية تمزيق. على الرغم من أنه كان من المفترض أن تتمزق اللوحة بالكامل كما اعترف بانكسي لاحقا، إلا أن الجهاز توقف عن العمل، تاركا نصف اللوحة سليمة في الإطار.

قررت المشترية الاحتفاظ بالعمل، الذي أعيد تسميته حديثا Love is in the Bin، حيث أصبح الآن موضوع فضيحة كبرى، وهو العمل الفني الوحيد الذي تم إنشاؤه في مزاد مباشر بالتاريخ. ونقل موقع “إيفنينغ ستاندرد” عن جوي ساير، المؤسس المشارك لموقع إلكتروني للتعامل مع الفن، قوله: “نتيجة المزاد، وبالنظر إلى الاهتمام الإعلامي الذي تلقته هذه الحيلة، فإن المشتري المحظوظ سيشهد عائدا كبيرا على 1.02 مليون دولار دفعوها الليلة الماضية، وهذا الآن جزء من تاريخ الفن في حالته الممزقة، ونقدر أن بانكسي أضاف 50% على الأقل إلى قيمته”. نشر بانكسي مقطع فيديو يوضح كيف تم تثبيت آلة التقطيع في الإطار عند إنشائها، مشيرا إلى أنها صنعت عن قصد في حالة وصول العمل إلى المزاد العلني. مقتبساً: “الرغبة في التدمير هي أيضا رغبة إبداعية”.

الهجرة ليست استنزاف لموارد البلاد

عام 2015، أنشأ بانكسي العديد من الجداريات استجابة لأزمة اللاجئين السوريين بمنطقة كاليه، “الغابة” في فرنسا، وهو موقع مكتظ بالمهاجرين الذين يحاولون دخول البلاد. إحدى هذه الجداريات تصور بشكل مثير للسخرية مؤسس شركة آبل ستيف جوبز، لأنه كما وصف الفنان، “غالبا ما يتم دفعنا إلى الاعتقاد بأن الهجرة هي استنزاف لموارد البلاد، لكن ستيف جوبز كان ابن مهاجر سوري. أبل هي الشركة الأكثر ربحية في العالم، فهي تدفع أكثر من 7 مليار دولار سنويا من الضرائب – وهي موجودة فقط لأنها سمحت بدخول شاب من حمص”.

حقوق الطبع والنشر هي للخاسرين ©TM

أزعج النجاح التجاري الفنان، الذي يقول إن “النجاح التجاري هو علامة على الفشل لفنان الكتابة على الجدران”، ولا يزال يعتقد أنه “عندما لا تكون الكتابة على الجدران إجرامية، فإنها تفقد معظم براءتها”، وهذا الجدل مازال مستمراً في عالم الفن. يجادل العديد من فناني الشوارع الآخرين  بأنهم يستخدمون هذا الدخل المشروع لتمويل المزيد من فنون حرب العصابات غير المشروعة وغير المصرح بها.

تُقام حالياً في ألمانيا  معارض  لبانكسي دون أن يكون هناك تصريح من قبل الفنان بعنوان “سر بانكسي – عقل عبقري”، يُعرض فيها أكثر من 150عمل له، في لايبزيغ ويستمر حتى 4 سبتمبر/ أيلول، في هامبورغ حتى 3 تشرين الأول/ أكتوبر، ووفقا لشعار بانكسي “حقوق الطبع والنشر هي للخاسرين ©TM”.

صور لمجموعة من أعمال بانسكي في شوارع لندن

61d0e567-cd2e-4c9c-bd61-de2aeb2fd613
90e2e9ec-50bb-4088-8d49-7e244e333887
259d8ee9-5ab3-4430-92d5-b2aa1c6a28cf
6952583a-a0ff-49b7-b863-b4b3529ccd8d
b7c16725-d530-4345-b22c-3a9fd3039478
db234e81-03c5-4237-9a20-3ad04d492e9f
previous arrow
next arrow

Photo: Amloud Alamir

 

s