©Mutaz Enjila
29/07/2020

قصة القائد هيرمان.. البطل الرّمز عند الألمان

خلال جولتنا في شمال الراين قبل أيام، قمنا بزيارة بلدة وادعة ورائعة الجمال تدعى ديتمولد Detmold. يقدر عدد سكانها بحوالي 75 نسمة، وهي بلدة ألمانية تقع في قضاء ليبه؛ الواقع شمال شرق الراين-فيستفاليا، وهي احدى ولايات ألمانيا الستة عشر، وتعتبر الولاية الأكبر من حيث عدد السكان البالغ عددهم أكثر من 18 مليون نسمة، وهي رابع أكبر ولاية مساحةً، وعاصمتها مدينة دوسلدورف.

تاريخ فيستفاليا..

لدى فيستفاليا اسم آخر أيضاً هو ڤستفالنWestfalen  وتعني فاليا الغربية، كانت فيستفاليا مقاطعة ألمانية سابقة ومستقلة ذاتياً ضمن إطار الدولة الألمانية. جرى دمجها بعد الحرب العالمية الثانية بقرار من سلطات الاحتلال البريطانية مع أقاليم شمال حوض الراين لتؤسس بذلك مقاطعة شمال الراين-فيستفاليا. تشكل فيستفاليا إقليما تاريخيا يتجاوز الحدود الحالية لولاية “شمال الراين-فيستفاليا” وخاصة في الشمال، لكن دون أي صبغة سياسية رسمية للاسم بمفرده. لكن اسم فيستفاليا يدخل كإضافة إلى اسم ولاية شمال الراين-فيستفاليا ضمن تركيبة اسم الرابطة القُطرية “فيستفاليا-ليبّه” وتسمى بالألمانية: Landschaftsverband Westfalen-Lippe وهي معنية برعاية التراث الثقافي والاجتماعي والتاريخي للمدينة. سُميت منطقة ليبه بإسم الملك ليبه، الذي عاش في الأصل على نهر ليبه وأسس ليبشتات Lippstadt هناك، وإمارة ليبه (Principality of Lippe)، حيث كانت ليبه دولة داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة. احتفظت ليبه بفيستافاليا حتى عام 1947م، إلى أن أصبحت جزء من شمال الراين-فيستفاليا.

قصة هيرمانزدنكمال

خلال جولتنا في شمال الراين، قمنا بزيارة لصرح تاريخي يدعى هيرمانزدنكمال، ويسمى بالألمانية: Hermannsdenkmal وهو نصب تذكاري لأحد الأبطال الألمان ويدعى هيرمان! عاش هيرمان في أوائل القرن الأول الميلادي في شمال ألمانيا. يرمز النصب التذكاري لهيرمان إلى انتصار الجرمان على الجيش الروماني خلال العام التاسع بعد الميلاد. يقع النصب في غابة “تويتوبورغ Teutoburg” بالقرب من مدينة ديتمولد في ولاية فيستفاليا وبالقرب من مدينة أسنابروك Osnabrück‏ وهي مدينة تقع في جنوب غرب ولاية ساكسونيا السفلى شمال ألمانيا والتي تشتهر بـ “مدينة السلام” وذلك لعقد صلح أوسنابروك-مونستر فيها والمعروف بـ صلح فيستفاليا عام 1648م والتي انتهت بموجبه حرب الثلاثين عاماً. شيد النصب التذكاري للقائد “هيرمان” طبقا لنموذج المهندس المعماري والنحات الألماني إيرنست فون باندل الذي انتهى من تصميمه عام 1875م.

انتصار هيرمان في معركة تويتوبورغ

وقعت معركة غابة تويتوبورغ أو معركة فاروس شلاشت (بالألمانية: Varusschlacht) في السنة الـ 9 للميلاد بين الجيش الروماني بقيادة الجنرال فاروس وتحالف للقبائل الجرمانية بقيادة أرمينيوس “هيرمان” زعيم قبيلة الشيروسكيين. سميت المعركة بهذا الاسم رغم أنها لم تقع في غابة تويتوبورغ، بل جرت بالقرب من مرتفعات كالكريزي الواقعة في ولاية سكسونيا السفلى. كانت المعركة إحدى أسوأ الهزائم التي مُني بها الرومان، فقد أبيدت ثلاثة فيالق عن بكرة أبيها، بالإضافة إلى 6 كتائب مشاة و3 أجنحة فرسان إسناد؛ كانت تشكل بمجموعها ثُمن الجيش الروماني. بعد المعركة تُركت جثث حوالي 20 ألف جندي روماني إلى جانب الجنرال فاروس Varus لتتحلل في الغابة. كان وقع الخسارة كارثياً على روما وإمبراطورها أوغسطس، وغالبا ما يطلق عليها “كارثة فاريان”.

حرب السبع سنوات

إثر المعركة بدأت حرب دامت سبع سنوات لاسترداد شرف الجيش الروماني، وفي النهاية تخلى الرومان عن محاولة احتلال المناطق الجرمانية على الضفة اليمنى لنهر الراين وصولا إلى نهر الإلبه من أجل الوصول إلى الهدف الاستراتيجي بتقصير طول حدود الدولة الرومانية وسط أوروبا وجعل خط الإلبه – الدانوب هو الحدود الجديدة. واعتبر نهر الراين حدوداً نهائية للامبراطورية الرومانية من الجهة الشمالية الشرقية لأربعة قرون لاحقة.

موقع المعركة الحقيقي

طُرحت عدة مواقع في شمال ألمانيا أعتقد أنها كانت مسرحا لمعركة غابة تويتوبرورغ، لكن الأبحاث الحديثة أدت إلى فرضية أن جزءا من المعركة جرى في منطقة كالكريزي في جبال فيهن في محيط مدينة أوسنابروك الحالية. الباحثون وذوي الاهتمام بتلك المعركة عثروا في مختلف المناطق حول أوسنابروك على بقايا أسلحة وعتاداً ونقوداً فضية وذهبية رومانية، مما يرجح أن المعركة قد دارت في تلك المنطقة، ولا يزال البحث جارياً عن معلومات تاريخية أخرى. ظهر هذا الحدث لاحقًا كنقطة تحول في تاريخ أوروبا الوسطى، حيث كان له دور فعّال في الحد من تقدم الإمبراطورية الرومانية إلى جرمانيا. في القرن السادس عشر، تمت ترجمة اسم أرمينيوس (خطأً) إلى الألمانية باسم هيرمان في كتابات أولريش فون هاتن عام 1529م وأصبح هذا الاسم معتمداً.

أرمينيوس “هيرمان”.. رمز وحدة ألمانيا

كانت ألمانيا من بين البلدان التي أصبحت القومية فيها قوة صاعدة في القرن الثامن عشر مع تزايد معارضة الحكم الأرستقراطي. كانت مساواة الأمة بكل فئات شعبها فكرة ثورية في ذلك الوقت. أراد القوميون أن يقوم أحد الأمراء الألمان بتوحيد ألمانيا بأكملها تحت حكم واحد. لذلك أصبح يُنظر إلى أرمينيوس على أنه رمز للوحدة، لأنه وحّد القبائل الجرمانية في حربها ضد الإمبراطورية الرومانية. وهكذا أصبح أرمينيوس أو “هيرمان” كما أسماه الألمان موضوعًا للأدب الشعبي مثل مسرحيات فريدريك جوتليب كلوبستوك Friedrich Gottlieb Klopstock’s، ومن المرجح أن هاينريش فون كلايست Heinrich von Kleist قام بترويج أرمينيوس في ألمانيا من خلال تسمية معركة هيرمان Hermannsschlacht عام 1808م. بيرنت هاينريش فيلهلم فون كلايست Bernd Heinrich Wilhelm von Kleist) هو كاتب مسرحي وقاص وشاعر وناشر ووطني ألماني.

هيرمان.. أبو الأمة الألمانية

في تلك المرحلة، تم حل الإمبراطورية القديمة، وهُزمت مملكة بروسيا وتم تفكيكها جزئيًا من قبل نابليون وبدا أن كل آمال بالقوة العظمى الألمانية الناشئة التي ستقام في المستقبل المنظور قد ضاعت. تلك الظروف جعلت أرمينيوس “هيرمان” الألماني يبدو كنموذج لدور تاريخي جديد بمعنى أنه “أبو الأمة الألمانية” لأولئك الذين كانوا على استعداد لمواصلة القتال ضد إمبراطورية فرنسا، والتي اعتبرت أحدث خليفة للإمبراطورية الرومانية كعدو خارجي في ذلك الوقت. خيّب كونغرس فيينا الذي أعاد ترتيب أوروبا بعد هزيمة نابليون النهائية، الآمال في “ألمانيا موحدة”، حيث كان الأمراء قادرين في الغالب على الاحتفاظ بسلطاتهم المستقلة في “الاتحاد الألماني” الذي كان يسمى بالألمانية: Deutscher Bund، وهو عبارة عن جمعية تضم 39 منطقة تتحدث الألمانية بشكل أساسي في وسط أوروبا، أنشأها كونغرس فيينا عام 1815م كبديل للإمبراطورية الرومانية المقدسة السابقة، والتي تم حلها في عام 1806م.

تاريخ نصب هيرمان التذكاري

يقع نصب هيرمان التذكاري على الجبل غروتينبورغ Grotenburg” بالقرب من ديتمولد إلى جانب حصن قديم بطول 500 متر وعرض 400 متر. تعود خطة إقامة النصب التذكاري للمهندس الألماني والنحات ايرنيست فون بانديل Ernst von Bandel المولود في عام 1800م، وهو نجل مفتش حكومي بروسي من أنسباخ Ansbach القريبة من نورنبورغ Nürnberg وتوفي في عام 1876م في دوناوفورث Donauwörth، ثم دفن في هانوفر في مقبرة مدينة اينغسهوده Engesohde.

بانديل مصمم النصب التذكاري

عمل بانديل نحاتًا ومهندسًا معماريًا في هانوفر وبرلين لسنوات عديدة، تمسك بهدف حياته الكبير، وهو إقامة نصب هيرمان التذكاري فضحى لأجل ذلك بكل ثروته الخاصة، وتغلب بثبات على المعوقات الكبيرة التي وقفت مرارًا وتكرارًا في طريق حلمه. في عام 1834م انتقل إلى هانوفر وعاش وعمل في ديتمولد برفقة عائلته بين عامي 1837م و 1846م. خلال هذا الوقت أكمل البنية التحتية للنصب التذكاري، الذي تم وضع حجر الأساس له في عام 1841م. بعد الانتهاء من قاعدة النصب، توقف بانديل عن العمل لأن الأموال اللازمة لمزيد من البناء كانت غير متوفرة. أصبحت ورش العمل في جبل غروتينبورغ في حالة سيئة، فتم نقل الألواح النحاسية لشخصية هيرمان، والتي سُرقت بعضها إلى ديتمولد. عمل بانديل دون كلل في هانوفر حتى عام 1862م، بدعم من ابنه رودريش Roderich، الذي كان مهندسًا معماريًا أيضًا، وطور بناء الإطار الحديدي الداخلي لتمثال هيرمان وكانت العملية صعبة للغاية، حيث كان من الضروري تثبيت الألواح النحاسية للتمثال على الإطار الداخلي لاحقاً. هذا ولا يزال جزء من الإطار الحديدي الداخلي موجوداً حتى الآن في متحف Lippisches Landesmuseum في ديتمولد، والآخر في Bandelhütte.

قصة النهاية..

أخيرًا، وفي عام 1870م، تم استئناف العمل التحضيري في جبل غروتينبورع، فعاد بانديل إلى موقع البناء في الغابة في عام 1871م وبدأ بإنشاء المتطلبات الفنية لتثبيت التمثال على القاعدة. تمكن بانديل أخيرًا من إكمال عمل حياته. إنتهى من إكمال النصب التذكاري بحلول صيف عام 1875م. عاش بانديل أيامه الأخيرة في منزله الخشبي البسيط “Bandelhütte”. وكان نصف مكفوف ويعاني من الروماتيزم الشديد. استطاع نصب التمثال في 16 أغسطس 1875م. توفي المهندس المعماري ايرنيست فون بانديل Ernst von Bandel بعد عام من إنهاءه بناء النصب التذكاري بتاريخ 25 سبتمبر 1876م.

هيرمان.. المحطة الإستثنائية لبيانات لصواعق

يعتبر نصب هيرمان الآن “كائن بحثي”، حيث قامت شركة Phoenix Contact ومقرها بلومبرغ، بتثبيت نظام قياس قوة تيار البرق عليه في الـ 2 يوليو 2012م. لأجل تلك الأبحاث تم تركيب ثلاثة أجهزة استشعار ووحدة تقييم على النصب على ارتفاع 30 متراً. وبفضل موقعه المكشوف والسيف الممتد في الهواء، أصبح تمثال “هيرمان” أداة لجذب الصواعق. حيث يتم الآن تسجيل البيانات المتعلقة بعدد وشدة ضربات البرق وحفظها وإتاحتها للأبحاث العلمية على الإنترنت.

مكانة هيرمانزدنكمال السياحية

يعد تمثال هيرمان واحداً من أكثر النصب التي يزورها السياح عند زيارتهم لألمانيا، حيث يزوره نحو 130 ألف زائر كل عام. يمكن الصعود إلى قاعدة التمثال ليحظى المرء بمنظر بديع للغابة الكثيفة التي تحيط به. كما قام الألمان الذين نزحوا إلى أمريكا الشمالية ببناء تمثال مشابه في مدينة “نيو أولم-مينيسوتا New Ulm, Minnesota وهي مدينة تقع في ولاية مينيسوتا في الولايات المتحدة . كما يعرف هذا النصب التذكاري بالإنجليزية بـ “هيرمان الألماني”.

لمعلومان أكثر عن نصب هيرمان التذكاري إضغط هنا.

Photos: Mutaz Enjila

previous arrow
next arrow
Slider