Image by StockSnap from Pixabay
27/02/2020

عزيزي السائق.. لا تفهمني غلط!

تعتبر اللغة من أكبر التحديات التي تواجه من ينتقل للعيش في ألمانيا، إذ أنه من الصعب وربما من المستحيل التفاعل مع المجتمع الألماني او الدراسة سواء الجامعية او التدريب المهني او الحصول على وظيفة جيدة دون ان يكون لديك لغة المانية. كما ان الالمان يعتزون للغاية بلغتهم، وهذا جعلني أصبح واحدا من الناس الذين يخافون من التحدث بشكل غير صحيح او لفظ الكلمات بطريقة خاطئة، الامر الذي أعاق كثيرا مسالة تطور اللغة عندي.

وكمن يقوده خوفه لممارسة ما يخشى ممارسته، قادني خوفي من ارتكاب الاخطاء أثناء الحديث لممارستها والاصرار عليها على أنها صحيحة! حدث ذلك في احدى الايام وانا ذاهبة للمدرسة، وتحديدا العام الماضي في شهر ابريل، كنت متوجهة لمدرسة اللغة، وكان عليّ قبل الذهاب للمدرسة أن أذهب لأنجز أمراً في البنك. وكالعادة يتوجب عليا ان أستقل الباص رقم 493 الذي يذهب باتجاه المحطة الرئيسية لمدينة نوردرشتيدت، وصلت المحطة القريبة من بيتي، وكان الباص الذي استقله من هناك يستعد للانطلاق، ضغطت الجرس عند الباب الخاص بصعود الكراسي المتحركة الكهربائية، لكن سائق الباص تجاهل الامر! فذهبت إليه واخبرته أني أريد الصعود لكنه أشار براسه رافضا وتحرك.

كل من كان في المحطة كانوا غير راضيين عما قام به السائق، وأبدا أغلبهم أسفه واستغرابه لتصرفه، وكان يجب أن انتظر عشرين دقيقة أخرى حتى يأتي الباص الآخر، وبالتالي سأكون غير قادرة على الذهاب للبنك لأنه يجب أن أذهب للمدرسة كي لا تفوتني، كنت غاضبة وحزينة وقلت في نفسي: يجب أن تفعلي شيء يا سماح، كنت أخاطب نفسي بصوت عالي: هيا اغضبي وافعلي شيء.

كنت اعاني من خوف شديد، كما أني لا استطيع التحدث بالألمانية امام أي شخص خاصة إن كان ألمانياً، لكن كان لا بد من فعل شيء، فتوجهت الى سائق الباص الاخر الذي يقوم باستراحة وقلت له بالألمانية ich möchte mit ihnen schlafen، سمع الرجل كلامي، واستغرب ورد بالألمانية wie bitte، أعدت الجملة وكنت أحاول أن أتماسك وأن لا يبدو أني مرتبكة، لكن الرجل لم يستوعب ما كنت أقوله، فأجاب: هل أنتِ بخير؟ وأردف: ماذا تريدين أن تقولي بضبط؟ قلت له بانفعال: نعم انا بخير، لم أستطع أن أتماسك وبكيت وأخبرته بأن زميله في الباص السابق رفض فتح الباب لكي أصعد الحافلة، وأنا لدي موعد مهم يجب أن أذهب إليه.

فهم الرجل الأمر فسألني –وهو يربت على كتفي- كيف يمكنه أن يساعدني، فيما كان زميل آخر له يحاول أن يهدئني، قلت له بأني أريد أن اقدم شكوى في سائق الباص، وفورا ذهب وأعطاني رقم هاتف المكتب الرئيسي لشركة النقل، وأخبرني بأنه لا يمكنه أن يتصل ويبلغ المكتب بما حدث، لأن ذلك ممنوع على موظفي الشركة، وأخبرني بأني إذا كنت أريد أن أقدم شكوى، فيجب أن أفعل ذلك بنفسي، فيما بادر زميله الآخر بإعطاني تلفونه وقال: يمكنك أن تتصلي من هاتفي الشخصي إذا لم يكن لديكِ هاتف، شكرته وقلت له أن لدي هاتف ويمكن أن أتصل من تلفوني الشخصي.

ودعتهما وشكرتهما وأثناء وداعنا لحق بي سائق الباص وقال سيدتي حين تتصلي يجب أن تقولي  ich möchte mit Ihnen sprechen
Nicht schlafen، عندها أدركت بأني ارتكبت خطأ حين كلمته في البداية، فبدلا من أن أول له أريد التحدث مع حضرتك قلت له: أريد أن أنام مع حضرتك! شعرت بخجل شديد وضحكت بصوت عالي، ضحك هو أيضا، ومن يومها كلما صادفته في محطة الباصات ويقول لي:schlafen oder sprechen!

شعرت بالخجل الشديد بعد ذلك الموقف، ورغم أن الخجل حالة عاطفية أو انفعالية معقدة، تنطوي على شعور سلبي، إلى جانب أنه لا يبعث على الارتياح أو الاطمئنان في النفس، إلا أنني بعد ذلك الموقف لم أعد أرتبك كثيرا عندما اخطأ، اضافة إلى أنني أيضا أصبحت أنطق الكلمتين رغم تقارب لفظهما بشكل صحيح. يحدث كثيرا ان نشعر بالخوف من شيء فنمارسه دون قصد، ذلك أن حالات الخوف الاجتماعي واسعة الانتشار، وتختلف عواملها وأسبابها من مجتمع لأخر بحسب العوامل الثقافية والتربوية من مجتمع لآخر، لهذا ينبغي علينا جميعا خاصة نحن الذي أتينا من بلداننا بسبب الحروب أن لا نستسلم له.

الخجل الطبيعي الذي يولد به الكثير من الأشخاص والموجود بالفطرة هو النوع الجيد، هذا النوع من الخجل هو الذي يفيد المجتمع، ومطلوب وجوده في العلاقات الاجتماعية برأيي، أما الخجل الزائد والمرضي الذي يعيق تقدم المرء، فهذا خجل مضر ومؤذي ومعيق وعقبة أمامنا يجب أن نكسره.

  • سماح الشغدري
    شاعرة وكاتبة واعلامية من اليمن
  • Image by StockSnap from Pixabay