Photo : EPD/ Sebastian Backhaus
19. فبراير 2020

المهمة المستحيلة!

باتت الحرب الأهلية في ليبيا الشغل الشاغل للاتحاد الأوربي، خاصة بعد انعقاد مؤتمر برلين بشأن ليبيا نهاية الشهر الماضي! ومنذ 5 سنوات تقريباً حازت ليبيا على اهتمام السياسيين والإعلام الأوربيين أيضاً، حيث كانت وما تزال طريقاً للمهاجرين نحو الفردوس الأوربي! الأمر الذي أسس برأيي للاهتمام الحالي بحظر توريد الأسلحة لطرفي النزاع في ليبيا، حيث بات ينذر بأحوال سيئة هناك، مما يجعل البلاد في حالة فوضى عارمة، وبما أن ليبيا هي البوابة الأوسع التي يدخل منها اللاجئون إلى السواحل الأوربية الجنوبية، فالحرب التي تجتاحها تنبئ بتدفق جديد للاجئين والمهاجرين، وتوفر بيئة حاضنة لمهربي البشر. لذا رأت دول الاتحاد الأوربي وجوب حظر الأسلحة الموردة إلى أطراف النزاع، وهذا ما توافق عليه وزراء الخارجية الأوروبيين يوم الاثنين في بروكسل.

السيسي وبن زايد والدعم عبر الصحراء

لكن هذه المهمة الأوربية التي تنص على نشر سفن مراقبة أوربية في المنطقة الشرقية من البحر المتوسط، تثير الكثير من التساؤلات حول إمكانية تطبيقها، وجدواها، لأن ليبيا الدولة الرابعة في حجم المساحة إفريقياً، تمتلك حدوداً برية طويلة، وخاصة في الشرق منها مع جمهورية مصر العربية، والتي تصل إلى 1150كم، وإذا ما علمنا أن رأس النظام المصري يدعم أحد طرفي النزاع، ومعه الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، فإن ذلك يضعنا أمام تساؤلات جديدة: هل ستكون مهمة الاتحاد الأوربي فقط في البحر؟ وماذا عن الحدود البرية الطويلة، والتي يقع معظمها في الصحراء؟ وهل سيضمن الاتحاد الأوربي التزام السيسي ومحمد ابن زايد بعدم توريد الأسلحة لليبيا في ضوء عدم التزام النظامين بأبسط معاهدات حقوق الإنسان وهو معارضة النظام؟ خاصة أن وزارة الخارجية الليبية في حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دولياً رأت أن هذا الاتفاق سيفشل بشكله الحالي، خصوصاً حسب بيان الوزارة على الحدود البرية والجوية بالمنطقة الشرقية.

التفاهم التركي الليبي والمياه الإقليمية!

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس خلال تصريحه حول المهمة الجديدة قال: “التدخل الجديد سيكون في شرق البحر المتوسط بعيدا عن طرق اللاجئين”، بالتاكيد هذا الأمر لا يمكن الالتزام به، لأنه مهربي الأسلحة لن يمروا عبر طرق المراقبين الأوربيين حسب رأي موقع دويتشه فيلا بالعربي. وهذا الأمر منطقي، لكن الأمن القومي الأوربي برأيي تدخل هذه المرة. فالمنطقة التي سيتواجد فيها المراقبون الأوربيين لتطبيق حظر الأسلحة إلى ليبيا، هي محط أنظار تركيا، والتي باتت عنصراً فعالاً في الصراع الليبي، بعد توقيعها مذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الوطني الحكومة الشرعية الوحيدة، بحسب وصف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو. المذكرة الأولى والتي وُقعت في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بين رجب طيب أردوغان عن الجانب التركي ورئيس حكومة الوفاق المعترف بها دولياً في طرابلس فايز السراج عن الجانب الليبي، تنص على ترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط، الأمر الذي أثار غضب الحكومة اليونانية، حيث اعتبرتها تعدياً على مياهها الإقليمية، ودعمتها في ذلك مصر وقبرص. هذه المذكرة التي أقرها البرلمان التركي في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وكذلك المجلس الرئاسي الليبي في اليوم ذاته، دخلت فعلياً حيز التنفيذ.

الصراع الخفي على منابع الطاقة

وفي حال الموازنة بين المنطقة التي ستتواجد فيها المهمة الأوربية الجديدة، وبين المناطق الواقعة ضمن مذكرة التفاهم التركية الليبية، يتبين أن الاتحاد الأوربي، يسعى لحماية مصالحه في البحر الأبيض المتوسط، الذي من الممكن أن يتحول مستقبلاً في ظل حرب السيطرة على منابع الطاقة، لطريق تجاري بين ليبيا وتركيا الصديق اللدود لأوربا! هذه النقطة أثارت حفيظة وزارة الخارجية في حكومة الوفاق الوطني، التي شددت  أن الحكومة المعترف بها دوليا تملك الحق في مواصلة تحالفاتها العسكریة العلنية من خلال القنوات الشرعية.

دعوهم يغرقوا!

المهمة الأوربية الجديدة سيقتصر عملها على مراقبة تطبيق حظر الأسلحة، وليس مسموحاً لها إنقاذ المهاجرين من عرض البحر المتوسط.. ماذا يعني هذا، هل يعني مثلاً عندما يرى المراقبون الأوربيون في عرض البحر قارباً لمهاجرين، يصارعون أمواج البحر، في طريقهم إلى أوربا، عليهم أّلا يتدخلوا لأنقاذهم!؟ وهو ما اشترطته بعض الدول الأوربية للموافقة على المهمة الجديدة، خاصة بعد إيقاف مهمة الإنقاذ صوفيا، التي ساعدت اللاجئين في عرض البحر المتوسط أثناء عملها السنوات الماضية، الأمر الذي أثار انتقادات بعض الدول، ودعاهم للقول إن السفينة تشكل حافزاً للمهاجرين ولمهربي البشر، بأن هناك من سيساعدهم في عبور البحر! وربما يعني أن المهمة الأوربية ستشكل جداراً غير مرأي في وجه قوارب المهاجرين!

يبقى نجاح المهمة الأوربية مرهوناً بنتائجها، والتي قد تنهي الصراع في ليبيا، الأمر الذي يرى الخبراء فرص تطبيقه تساوي صفر!

Photo : EPD/ Sebastian Backhaus

s