Photo: Amal, Berlin
29. أكتوبر 2019

انتخابات تورنغن و”ترجيع” الساعة للعام 1930!

بات لزاماً على الأحزاب التقليدية CDU، SPD الحاكمة في ألمانيا تغيير استراتيجيتها الداخلية، بعد الخسارات المتتالية في انتخابات الولايات التي حدثت مؤخراً، حيث برز فيها حزب البديل من أجل ألمانيا كجزء من المشهد السياسي في البلاد، خاصة بعد انتخابات تورنغن أمس الأول الأحد، والتي حصل فيها البديل على المركز الثاني، متخطياً حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وحليفها الحزب الاشتراكي الديمقراطي. الإعلام الألماني وصف هذه النتيجة بالخسارة التاريخية التي وضعت الأحزاب التقليدية أمام معضلة توسع شعبية البديل على حسابها، هذا الحزب الذي يرى الكثير من متابعي السياسة الداخلية الألمانية، بأنه قريب جداً من التطرف اليميني!

نعم هي كذلك، لكن كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ يبدو أن الأحزاب التقليدية ليس لديها اهتمام، بمعرفة إجابة هذه الأسئلة! أو أنها تأخرت كثيراً لمعالجة الأمر، وإيجاد قراءة جديدة للوضع السياسي الألماني الداخلي.

في تقرير عُرض على القناة الثانية الألمانية، قالت إحدى الناخبات صراحة وعلناً أمام الكاميرا: “سأنتخب البديل” وألحقت إجابتها بدافعها وراء ذلك القرار حيث قالت: “لم أعد أثق بالسياسيين الآخرين”. كلام هذه السيدة يجب على ساسة CDU، SPD أن يعلقوه على جدران مكاتبهم، ليقرأوه كل يوم، فهذا الرأي ليس وحيداً، بل هناك 25% من الناخبين بولاية تورنغن انتخبوا حزب البديل، ما يعني أنه ليس رأياً فردياً.

ولكي لا اتهم بالسوداوية، في تقرير آخر للقناة ذاتها، قالت شابة عشرينية: “يجب أن نشارك نحن الشباب بالانتخابات، حتى لا نسمح للأحزاب العنصرية بتسيد الموقف”، الأمر الذي يوحي بالوعي الشعبي لمخاطر شعبية اليمين المتزايدة.

كالعادة وهذا رأيي فإن وعي الشارع، والوعي الشعبي بمخاطر ذلك، يسبق تحركات الحكومة والأحزاب التقليدية بخطوات، كالذي حدث أثناء استقبال اللاجئين عام 2015، حيث سعى الشارع الألماني بكل أطيافه لتقديم كل ما يستطيع لمساعدة المهاجرين، سواء بالترجمة، أو بالتبرعات في مراكز الاستقبال، أو الدعم النفسي، أو تعليم اللغة.. وفيما بعد بدأت الوزارات الحكومية تعمل على ذلك بشكل رسمي.

يرى بعض السياسيين في حزب المستشارة أن ما حدث مؤخراً في تورنغن عبارة عن تصويت كبير بحجب الثقة عن التحالف الكبير الحاكم في برلين، موضحين أنه يفتقر  للإدارة السياسية والوضوح، وأضاف فريدريش ميرتز السياسي في حزب CDU أنه لا يستطيع أن يتخيل أن هذا الشكل من الحكم سيستمر لعامين قادمين، واصفاً سياسته الخارجية على مستوى الاتحاد الأوربي، والداخلية على مستوى ألمانيا بأنها بطيئة وسيئة.

في ظل الظروف التي تعيشها البلاد، يبدو أنه يجب على السياسيين، والعقلاء، والحكماء أن يوجدوا استراتيجية جديدة للتعامل مع الأمر، حتى لا تجد البلاد نفسها في ظرف ما، وقد سيطر البديل على مجالس البرلمانات المحلية في الولايات الألمانية، وبرغبة شعبية، خاصة أن العديد من استطلاعات الرأي أظهرت أن قسم من مواطني شرق ألمانيا ينظرون لتعامل الدولة معهم، على أنه معاملة مواطنين من الدرجة الثانية، في وقت تحتفل فيه ألمانيا بالذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين.. لذا يجب على ألمانيا (الحكومة والشعب) أن يعملوا سويةً للحفاظ على مكتسبات ما بعد الحرب العالمية الثانية كالانفتاح، والابتعاد عن التطرف والعنصرية.. وهنا أتذكر تعليقاً قرأته على إحدى منشورات الإحصائيات بعد الإنتخابات في تورنغن، والتي تزامنت مع بدء التوقيت الشتوي بألمانيا جاء فيه: “في تورنغن عادت الساعة للعام 1930”!

Photo: Amal, Berlin

s