‏”Palestine 36″.. فيلم عن حكاية تستحق أن تُروى Foto: Rita Mahlis
27. أبريل 2026

‏”Palestine 36″.. فيلم عن حكاية تستحق أن تُروى

يُعد فيلم “Palestine 36” للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، الذي اختير كفيلم افتتاحي لمهرجان الفيلم العربي في برلين، سردية حيّة لواقع مرّ به الشعب الفلسطيني. إذ يطرح الفيلم سردية مختلفة للحكاية الفلسطينية، بعيداً عن توصيفها كصراع ديني أو عرقي، ليقدمها بوصفها شكلاً من العنف الاستعماري المدعوم بتحالفات خارجية، ولا يكتفي الفيلم بتوثيق أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى عام ١٩٣٦ وسرد الأحداث التاريخية، بل يغوص في تفاصيل الحياة اليومية للناس، كاشفاً عن حجم الألم والقهر الذي عاشه الفلسطينيون، والذي ما تزال آثارهما حاضرة حتى اليوم.

الهجرة اليهودية وتهميش اقتصادي للفلسطينيين

يكشف الفيلم عن الفروقات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني، بين فئات مختلفة تمتد من الفلاحين في القرية ومدافعتهم عن أرضهم، مروراً بالطبقة البرجوازية في المدينة وتحالفاتها مع البريطانيين.

ويركز الفيلم على التغيرات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني مع بداية الهجرة اليهودية من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأ العمال المهاجرون بالسيطرة على فرص العمل، ما أدى إلى تهميش الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، حتى في أبسط الأمور مثل الأجر على ساعات العمل الإضافية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير اقتصادي، بل كان بداية لعملية إقصاء ممنهجة أثرت على حياة الناس اليومية آنذاك.

صورة من عرض الفيلم في برلين

صورة من عرض الفيلم في برلين

مشاهد تختصر مأساة شعب

كما يُظهر الفيلم تصاعد القمع و الإذلال البريطاني، حيث لجأت القوات البريطانية إلى أساليب عنيفة للسيطرة على الأهالي، من اعتقالات جماعية إلى تهجير قسري، وصولاً إلى وعد بلفور.

ومن أكثر المشاهد إيلاماً، مشهد جمع رجال القرية واقتيادهم إلى حافلة، مع إجبار السائق على التحرك تحت تهديد الضابط البريطاني بإطلاق النار عليه. وما إن تحركت الحافلة بضع خطوات حتى انفجرت بهم. وتتضاعف قسوة المشهد حين يركض طفل صغير خلف الحافلة، محاولاً اللحاق بوالده، قبل أن يشهد موته أمام عينيه، في مشهدٍ يبدو وكأنه يلخص معاناة جيلٍ كامل.

واللافت أن الحافلة التي جرى تفجيرها، والتي كان مكتوباً على خلفيتها “القدس – دمشق”، وظهرت في أكثر من مشهد خلال الفيلم، تزامن انفجارها مع أنباء عن إغلاق الحدود بين سوريا وفلسطين، وكذلك بين فلسطين ولبنان.

ومن أكثر المشاهد التي تبعث على البكاء، قصة الزوجين المسنين (أبو رباب وأم رباب)، اللذين أصرّا على البقاء في منزلهما رغم التهديد والضغط. كان الجنود يوجهون أسلحتهم نحوهما لإجبارهما على المغادرة، فيما كان أحدهم يزرع قنبلة داخل البيت. عندها، لمحت ابنتهما رباب ما يجري من بعيد عبر نافذة المنزل، فانطلقت راكضة نحو البيت في محاولة لإنقاذ والديها وإخراجهما، لكن إصرارهما على التمسك ببيتهما كان أقوى من كل شيء، فبقيا حتى اللحظة الأخيرة.
ثم أُخرجت رباب بالقوة، وأُغلق باب البيت خلفهم، لتبقى لحظات صمت ثقيلة أوحت بأن الجنود قد انسحبوا. غير أن ذلك الهدوء لم يكن إلا مقدمة لانفجارٍ أنهى البيت ومن فيه.

قسوة الظروف التي شكلت قرارات الفلسطينيين

من خلال هذه الأحداث، يوضح الفيلم أن ما جرى لم يكن خياراً بسيطاً أو قراراً فردياً، بل نتيجة ظروف قاسية وضغوط هائلة. لذلك، من غير العدل أن نحكم على من عاشوا تلك المرحلة أو نُسقط عليهم اتهامات بالتفريط في ديارهم، فلربما لو كنا مكانهم لاتخذنا القرارات ذاتها، إذ إن ما عاشوه يفوق قدرة البشر على التحمل.

لم يكن الفيلم مجرد عمل سينمائي، بل تجربة شخصية مؤثرة عاشها الكثيرون، ومنهم أنا. يطغى شعور بالحزن والفخر في آنٍ واحد؛ الحزن على ما نعانيه ونقاسيه منذ زمن، والفخر بصمود الناس وتمسكهم بأرضهم. فهذا التاريخ ليس مجرد أحداث من الماضي وحسب، بل واقع مستمر يؤثر علينا نحن الذين ننتمي إلى تلك الأرض حتى يومنا هذا.

Palestine 36

Palestine 36

“الفقد ثم الاعتقال ثم التحلي بالهدوء” تناقض يعكس الواقع الفلسطيني

وبالنسبة للمشهد الذي ظلّ عالقاً في ذهنِ الممثل الفلسطيني كريم عناية، الذي جسد دور البطولة (يوسف)، بعد مشاهدة الفيلم للمرة الأولى، فهو لحظة اعتقال شقيقه ونقله إلى السجن، بالتزامن مع دفن والده. وأضاف أنه كان في تلك اللحظة يتحدث مع والدته ويشعر بحاجة إلى رد فعل، لكنها طلبت منه الهدوء والتوجه للتحدث مع الجنود بدلًا من الانفعال. وأوضح أنه أدرك لاحقاً أن هذا التناقض يعكس جزءاً من الواقع اليومي للفلسطينيين، حيث يضطرون للتعامل مع مواقف لا يرغبون بها لكنها تُفرض عليهم.

غزة كانت لحظة الحسم بين التوقف والاستمرار

وقال كريم إنه لم يكن يعمل على الفيلم كفنان فقط، بل إن التجربة امتدت لتشمل الحياة نفسها، مضيفاً أنه شعر بأن الجميع تأثروا بما جرى في غزة. واعتبر أن حرب غزة كانت لحظة حسم، بين الاستمرار في العمل أو التوقف.

وشدد بطل الفيلم على أن دفاع الناس عن أرضهم حقٌ مشروع، معتبراً أن عرض العمل في ألمانيا يوجه رسالة واضحة بضرورة عدم التضييق على الصوت الفلسطيني، وفتح المجال أمام الرواية الفلسطينية لتُروى وتُسمع.

ويرى كريم أن النظام الاستعماري في فلسطين يعود، في رأيه، إلى تلك المرحلة وليست نتيجة لاحقة، وإلى طبيعة الحياة والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كان يعيشها الناس آنذاك، والتي ساهمت في ترسيخ هذا النظام الاستعماري.

تصفيق حار في تورونتو وجوائز في طوكيو وتمثيل فلسطيني بالأوسكار

انطلق العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي يوم 5 سبتمبر/أيلول 2025، حيث حظي بتصفيق ووقوفٍ استمر نحو 20 دقيقة. ونال لاحقاً الجائزة الكبرى في مهرجان طوكيو السينمائي الدولي (الدورة 38)، كما أُدرج ضمن القائمة المختصرة الأولى لفئة الأفلام الروائية الطويلة في جوائز الفيلم الأوروبي (الدورة 38). واختير الفيلم لتمثيل فلسطين رسمياً في فئة الفيلم الدولي الطويل ضمن جوائز الأوسكار (الدورة 98)، التي أُقيمت في 15 مارس/آذار من هذا العام.

عرض مرتقب على نتفليكس بداية أيار/ مايو

من المقرر أن يُعرض فيلم “فلسطين 36” على منصة نتفليكس ابتداءً من الأول من مايو/أيار المقبل، بحسب ما أعلنت المنصة. ووصفت نتفليكس الفيلم :”Palestine 36″ ، عملٌ يروي قصة شاب في عام 1936، يكافح تحت وطأة الثورة المناهضة للاستعمار البريطاني، ويحاول الموازنة بين عمله في القدس وتمسكه بجذوره الريفية.”
في النهاية، ينجح فيلم “Palestine 36” في إيصال رسالة قوية مفادها أن القضية الفلسطينية ليست مجرد سردٍ تاريخي يُقرأ في كتب التاريخ، بل معاناة إنسانية مستمرة، تستحق أن تُروى كما هي.

Fotos: Rita Mahlis

Amal, Hamburg!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.