عيد الفطر بعيداً عن الوطن: كيف تصنع النساء المسلمات طقوس وبهجة العيد في ألمانيا؟ Hans Scherhaufer/epd
19. مارس 2026

عيد الفطر بعيداً عن الوطن: كيف تصنع النساء المسلمات طقوس وبهجة العيد في ألمانيا؟

في مدن أوروبا الهادئة، لا يأتي عيد الفطر كما في العواصم العربية مزدحماً بالأصوات والزيارات وروائح الحلويات التي تملأ الأزقة، بل يصل خفيفاً خجولاً. هنا، تعيد النساء المسلمات تشكيل العيد بطريقتهن الخاصة، فيصنعن من البيوت أوطاناً صغيرة، ويحيين طقوساً حملنها معهن من الذاكرة. تتحول التفاصيل البسيطة إلى جسور تربط الأبناء بثقافتهم، وتمنحهم شعور الانتماء في بيئة متعددة الثقافات.

العيد في ألمانيا كحالة تُصنع داخل البيوت

غالية الحلواني، امرأة دمشقية أصيلة، تخرجت من كلية التجارة، تعيش في ألمانيا منذ أحد عشر عاماً، وهي أم لأربعة أطفال. تصف غالية أجواء العيد في ألمانيا مقارنة ببلدها الأصلي قائلة إن العيد هنا “لا يطرق الأبواب بصخب كما كان في دمشق، بل يأتي بهدوء، كضيف لطيف يحتاج أن نستقبله بأنفسنا”. ففي بلدها، كان العيد حالة عامة تشارك فيها الشوارع والبيوت والأصوات، بينما في ألمانيا تصنع هذا الامتداد داخل منزلها، من خلال التفاصيل الصغيرة التي تمنح اليوم روحه. ومع مرور السنوات، بدأت تلاحظ أن للعيد حضوراً مختلفاً، خفيفاً لكنه واضح، “وكأن المكان يتعلمنا ونتعلمه”.

كيف تعوض النساء المسلمات طقوس العيد للأطفالهن في ألمانيا؟

Ghalia Halwani

أما عن اللحظات التي تحرص على خلقها لأطفالها، فتؤكد أنها تركز على الإحساس بالعيد قبل مظاهره، ليشعروا منذ الصباح بأن اليوم مختلف، يجمع بين السكينة والفرح. وتضيف: “نعيش طقوسنا ببساطة، ملابس جديدة، عيدية، ضحكات، ووقت نقضيه سوياً دون استعجال”. بالنسبة لها، الأهم ليس الكمال، بل صدق اللحظة وبقاؤها في ذاكرة الأطفال. وترى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقل التقاليد، بل في إبقائها حيّة خارج بيئتها الأصلية. وتوضح أن رمضان هو الجذر الذي تبدأ منه كل هذه القيم، فهو “ليس فقط صياماً، بل حالة روحانية يتغير فيها إيقاع الحياة”. ومن هذا الجو يأتي العيد كامتداد طبيعي، وليس كحدث منفصل.

المجتمع الألماني يشارك المسلمين احتفالات العيد

وعن تجربة أطفالها في المجتمع، تشير إلى أنهم أحياناً يشعرون بالاختلاف، وهو أمر مفهوم، لكن في المقابل هناك تطور إيجابي واضح. إذ بدأت الروضات والمدارس تقدم مبادرات للتعريف برمضان والعيد بطريقة مبسطة، مما يساعد الأطفال على الشعور بأن ثقافتهم مرئية ومقدّرة. وتؤكد أن هذا الاهتمام “يخفف المسافة، ويجعل الطفل يشعر أن قصته تُسمع”.
وتلاحظ غالية تغيراً ملموساً في تقبّل المجتمع، يظهر في تفاصيل يومية مثل زينة العيد في المحال أو تبادل التهاني، ما يعزز شعور الألفة ويخفف وطأة الغربة. وتختتم غالية لقاءها معنا بأمنية أن يستمر هذا “النضج الإنساني”، بحيث تصبح الأعياد الإسلامية مفهومة بحضورها، لا بحاجة إلى شرحها، وأن يتحول الاختلاف إلى جزء من جمال التعايش.

تشاركية ثقافية إسلامية وتعايش متبادل

وفي سياق ذلك، فإن محاولات الاندماج لم تعد مجرد مبادرات فردية، بل باتت تأخذ طابعاً عاماً ومرئياً. إذ أن هذا التوجّه يتجلى بوضوح في بعض المدن الألمانية، إذ بدأت ملامح الاعتراف بالثقافة الإسلامية تظهر في الفضاء العام. وتستشهد بمدينة فرانكفورت بوصفها نموذجاً لافتاً، إذ كانت المدينة الوحيدة السباقة في تزيين شوارعها احتفالاً بشهر رمضان، حيث أُضيئت شوارع رئيسية بزينة خاصة بهذه المناسبة، في خطوة تحمل دلالات رمزية على التضامن والانفتاح، وتسهم في إحياء حضور الثقافة الإسلامية ضمن المشهد العام، بما يعزز شعور المسلمين بالانتماء ويقرب المسافات بين مكونات المجتمع.

استعادة الذاكرة عبر الطقوس العائلية

أما نور عودة، وهي فلسطينية وُلدت وترعرعت في دمشق، فتعيش اليوم في مدينة ماينز، متزوجة ولديها طفلة رضيعة. تحاول نور أن تحافظ على طقوس العيد بروح عائلية واضحة، تبدأ أول أيامه بزيارة قبر جدها المدفون في منطقة مومباخ في ماينز، في لفتة تجمع بين الذاكرة والوفاء. بعد ذلك، تتجه العائلة إلى المسجد في إنجلهايم، حيث تُقام فعاليات متنوعة تناسب الأطفال والكبار، ما يمنح العيد بعداً اجتماعياً وجماعياً يخفف من غياب الأجواء التقليدية في الوطن. كما تحرص نور على قضاء وقت مع العائلة في حديقة صغيرة يملكها خالها، يجتمعون فيها للشواء وقضاء يوم مليء بالدفء والمرح. وتقول إنهم يحاولون قدر الإمكان أن يشبهوا أجواء بلادهم التي حُرموا منها، عبر هذه اللقاءات البسيطة التي تعيد خلق الإحساس بالعيد.

بين الذاكرة والواقع

تكشف تجربتا غالية ونور عن وجه آخر للعيد في المهجر، عيد يُصنع بجهد شخصي، وتُعاد كتابته داخل البيوت، لكنه يظل محمّلاً بالمعاني ذاتها: الفرح، والدفء، والانتماء. وبينما تتغير الأماكن، تبقى الطقوس قادرة على عبور الحدود، حاملةً معها هوية لا تذوب، بل تتجدد في كل عام بشكل مختلف.

Amal, Hamburg!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.