بين دمشق وألمانيا … عندما تتحول الإجازة إلى رحلة قلق في زمن الحروب Bild: Souzan Nassri
12. مارس 2026

بين دمشق وألمانيا … عندما تتحول الإجازة إلى رحلة قلق في زمن الحروب

متى تصبح الإجازة مجرد محطة بين نشرتي أخبار؟ ومتى يتحول السفر الذي يفترض أن يكون استراحة من التعب إلى انتظار ثقيل للأخبار العاجلة؟ هل يمكن للإنسان أن يعيش لحظاته الخاصة بمعزل عن حروب تحيط به من كل اتجاه؟ أم أن واقع الشرق الأوسط يفرض نفسه حتى على أكثر التفاصيل شخصية؟ هذه الأسئلة رافقتني قبل أن أقرر كتابة هذه السطور. ففي الوقت الذي يعيش فيه آلاف الناس تبعات التصعيد بين إسرائيل وإيران وتداعياته في المنطقة، وجدت نفسي أختبر تجربة صغيرة ضمن هذا المشهد الكبير: إجازة عادية بين دمشق وألمانيا تحولت تدريجياً إلى رحلة مليئة بالترقب والقلق.

طمأنينة مؤقتة في واقع مثقل بالأزمات

كنت قد سافرت إلى دمشق لقضاء إجازة قصيرة مع العائلة والأصدقاء. لم تكن هذه الزيارة الأولى لي منذ سقوط النظام، بل الثالثة. ففي المرتين السابقتين وصلت إلى سوريا ضمن وفد من زملائي في إطار العمل على مشروع المدرسة الألمانية للصحافة التي أسسناها في العاصمة. أما هذه المرة فكانت زيارة عائلية بحتة، بحثاً عن بعض الدفء الإنساني الذي نفتقده في الغربة. ورغم ما تعانيه البلاد من نقص حاد في الموارد، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه، وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن شعوراً بالطمأنينة يرافقنا دائماً حين نكون هناك. ربما لأننا نأتي كزائرين لا كمقيمين؟
لأن كل من يعيش في تلك البقعة يحلم بامتلاك مصباح سحري يخرجه منها، ولو للحظة، بعيداً عن ثقل الحروب والقلق وضغوط الحياة اليومية. ومع ذلك، تبقى هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلينا إحساس الانتماء، والحياة الاجتماعية، واللقاءات العائلية، والدفء الذي تصنعه “اللَّمّة”.
إلى درجة أنني لم أعلم باندلاع الحرب إلا بعد منتصف النهار في يومها الأول. بدا الأمر غريباً بالفعل، خصوصاً أنني صحفية اعتادت متابعة أخبار المنطقة لحظة بلحظة. لكن الانغماس في تفاصيل العائلة واللقاءات اليومية جعلني بعيدة لساعات عن متابعة الأخبار.
تلك التفاصيل التي قد تبدو عادية في نظر البعض، لكنها بالنسبة للمغتربين تعني الكثير.

رحلة العودة إلى ألمانيا… بين الإلغاء والانتظار

مع تصاعد الأحداث بدأت تتضح تداعيات الحرب سريعاً. الرحلة التي كنت قد حجزتها للعودة إلى ألمانيا أُلغيت. لم يكن الأمر في البداية مقلقاً؛ اعتدنا في المنطقة على ذلك. لكن سرعان ما تبيّن أن الوضع مختلف هذه المرة، وأن أفق الأزمة مفتوح على احتمالات غير محسوبة.
حاولت البحث عن بدائل، غير أن شركات الطيران التركية والأردنية أعلنت إلغاء جميع رحلاتها. فجأة وجدت نفسي في مأزق حقيقي. لم يكن القلق بسبب البقاء في سوريا بحد ذاته، بل خشية التعليق لأيام طويلة، بينما تنتظرنا التزامات وأعمال في ألمانيا. الأمل الوحيد كان رحلة تغادر من مطار بيروت عبر شركة طيران لبنانية، بعد أن ألغت معظم الشركات الأخرى رحلاتها. سارعت إلى حجز مقعد، لكن خلال دقائق امتلأت جميع الرحلات، ولم يتبقَّ سوى مقعد واحد بعد خمسة أيام.

حرب أعصاب

كانت أياماً من الترقب والقلق. وفي اليوم الذي قررنا فيه التوجه براً إلى بيروت، وصلنا خبر يفيد بأن الطريق الحدودي بين سوريا ولبنان تعرض لتفجير. ومع ذلك لم نتراجع. واصلنا الرحلة نحو الحدود، وبتوفيق من الله تمكنا من العبور بعد ساعات طويلة من الانتظار والتوتر. كانت رحلة شاقة ومليئة بالإرهاق النفسي والجسدي. في تلك اللحظات راودني سؤال ثقيل: هل كُتب علينا نحن أبناء هذه المنطقة أن نظل في حالة بحث دائم عن الاستقرار؟
عندما صعدت أخيراً إلى الطائرة شعرت بدهشة حقيقية. لم أصدق أننا سنغادر بالفعل. الإحساس بأنك عالق، حتى لو لبضعة أيام، يولّد ضغطاً نفسياً هائلاً ويحوّل الوقت إلى حرب أعصاب.
عندها فقط أدركت، ولو بقدر ضئيل، ما قد يشعر به أولئك الذين عاشوا التهجير الحقيقي: من فقدوا بيوتهم، أو تفرّقوا عن أبنائهم وأسرهم، وعاشوا سنوات طويلة من عدم اليقين والإجبار. بعضهم تجاوز تلك التجربة، لكن كثيرين ما زالوا يعيشونها حتى اليوم.

صور من الحدود السورية اللبنانية

Amal, Hamburg!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.