شكّل سقوط وهروب بشار الأسد إلى موسكو نقطة تحوّل في سوريا. فبعد سنوات من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى، وصل أحمد الشرع إلى السلطة. ويسعى إلى التقارب مع الغرب ويحاول تهدئة الأوضاع في البلاد، إلا أن نجاحه في ذلك يبدو محدوداً حتى الآن بحسب موقع تاغسشاو الإخباري.
من جهتها تصف وزارة الخارجية الألمانية الوضع في سوريا بأنه “متقلّب”. جاء ذلك في تحليل سري للوزارة صدر في شباط/فبراير الماضي واطّلعت عليه كل من شبكتي WDR وNDR. ويشير التقرير، على سبيل المثال، إلى أن تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) أصبح “أكثر نشاطاً مجدداً”. كما يسلّط الضوء على “انهيار” قوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي يقودها الأكراد في كانون الثاني/ يناير. ويذكر التقرير أيضاً الصراع غير المحسوم بين الحكام الجدد والمناطق التي يسيطر عليها الدروز، وذلك في وثيقة من صفحتين.
وبذلك ما تزال التقييمات تشير إلى أن الوضع في سوريا يبقى حرجاً. غير أن الوضع على الأرض تحسّن بشكل طفيف على الأقل من وجهة نظر وزارة الخارجية التي يقودها وزير الخارجية يوهان فاديفول (CDU). ففي ربيع العام الماضي، كان تقرير الوضع الخاص باللجوء الصادر عن الوزارة يتحدث عن وضع “شديد التقلب”. وتؤكد وزارة الخارجية أن الوضع “يتغير باستمرار”، تبعاً للتطورات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية الراهنة.
تقييم مهم لقرارات الإعادة
إن نظرة وزارة الخارجية الألمانية إلى الوضع في سوريا مهمة لعمليات إعادة اللاجئين، ولآلية اتخاذ القرار في المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF). فقد اتفقت أحزاب الاتحاد المسيحي الديمقراطي/الاجتماعي (CDU/CSU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) في اتفاق الائتلاف الحكومي على تنفيذ عمليات ترحيل إلى سوريا، “تبدأ بالمجرمين والأشخاص المصنفين خطر”.
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس (CDU) قد صرّح في تشرين الأول/ نوفمبر 2025 بأنه “لم تعد هناك أي أسباب للجوء في ألمانيا، ولذلك يمكننا البدء بعمليات الإعادة”.
وبعد أشهر من المحادثات بين وزارة الداخلية الألمانية وممثلين عن الحكومة السورية، جرت في كانون الأول/ ديسمبر أول عملية ترحيل، شملت شخصاً مداناً يعيش في ولاية شمال الراين–وستفاليا. وحتى نهاية كانون الثاني/ يناير، رُحّل ثلاثة رجال آخرين من ولايات ساكسونيا أنهالت، وساكسونيا السفلى، وبادن-فورتمبيرغ.
وفي كانون الثاني/ يناير، أعلن وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت (CSU) أن مثل هذه “الترحيلات الفردية” يجب أن تتم “أسبوعياً”. إلا أن الأمور لا تسير حالياً بالسرعة المخطط لها. فبحسب الوزارة، لم تُنفَّذ أي عمليات ترحيل إضافية في شباط/ فبراير. وأوضحت الوزارة، رداً على استفسار، أن “عمليات الإعادة إلى هذه المنطقة غير ممكنة حالياً” بسبب إغلاق المجال الجوي في الشرق الأوسط نتيجة الحرب مع إيران.
فرص أقل للحصول على اللجوء
تطور الأوضاع في سوريا قد لا يؤثر فقط على المجرمين والأشخاص المصنفين خطر، بل أيضاً على سوريين آخرين يتقدمون بطلبات حماية في ألمانيا، إذ قد يؤثر على فرص بقائهم في البلاد.
فمنذ أيلول/ سبتمبر 2025، عاد المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين إلى البت في طلبات اللجوء المقدمة سابقاً، وإن اقتصر ذلك في البداية على المجرمين والأشخاص المصنفين خطراً، وكذلك على الرجال الشباب القادرين على العمل الذين سافروا بمفردهم. ويتبنى المكتب حالياً موقفاً قانونياً مفاده أنه “بسبب تغير الوضع في سوريا، لا يمكن في جميع الحالات اعتبار الترحيل ممنوعاً بالنسبة للرجال الشباب الأصحاء”.
وخلال أزمة الهجرة قبل نحو عشر سنوات، حصل معظم السوريين الذين فرّوا إلى ألمانيا في البداية على وضع حماية. أما اليوم، فقد أصبحت سياسة البت في طلبات لجوء السوريين أكثر تشدداً بكثير. ففي العام الجاري، بلغت نسبة قبول طلبات الحماية المقدمة من سوريين في ألمانيا نحو 9% فقط.
المحاكم تؤيد قرارات الرفض
بدورها أيدت عدة محاكم إدارية هذه القرارات. وبررت بعض المحاكم ذلك بأن الوضع الأمني تحسّن بشكل ملحوظ في مناطق معينة، وأن الانتقال إلى هذه المناطق قد يكون ممكناً ومقبولاً. ويتحدث المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين عن “اتجاه حذر” لدى المحاكم لتأكيد قرارات الرفض التي يصدرها المكتب.
انتقادات من المعارضة
في المقابل، يواجه هذا التوجه انتقادات من المعارضة. إذ قالت المتحدثة باسم السياسة الخارجية لحزب الخضر لويزه آمسبرغ: “لا يمكن تبرير عمليات الإعادة إلى سوريا في ظل الوضع الحالي هناك”. وأضافت: “المجازر بحق الدروز والعلويين، والهجمات الأخيرة على الأكراد في شمال شرق سوريا، تُظهر أن هذه الحكومة غير قادرة أو غير راغبة في ضمان أمن جميع السكان في البلاد”. وكانت آمسبرغ قد زارت سوريا مؤخراً.
من جهته، يعارض ألكسندر تروم، المتحدث باسم السياسة الداخلية لكتلة الاتحاد المسيحي في البرلمان الألماني، هذا الرأي. وقال: “إن عمليات الإعادة إلى سوريا ضرورية وصحيحة. فالمجرمون والأشخاص المصنفون خطراً لا يجوز لهم تهديد أمننا. ولذلك أتوقع من سوريا استعداداً واضحاً لاستعادة مواطنيها”. وأضاف أن أي دولة تتوقع دعماً مالياً لإعادة الإعمار يجب عليها أيضاً أن تتحمل مسؤولية مواطنيها.
