بعد مرور عشرين عامًا على إدخال نظام هارتس IV، تقف ألمانيا مجددًا أمام تحول جوهري في سياساتها الاجتماعية. فاعتبارًا من عام 2026، تعتزم الحكومة الألمانية إنهاء إعانة المواطن (Bürgergeld) واستبدالها بما يُعرف بـ«الضمان الاجتماعي الجديد»، في ثالث تغيير جذري لنظام دعم العاطلين منذ عام 2005. ويعكس هذا المسار نقاشًا سياسيًا محتدمًا حول كيفية الموازنة بين حماية الحد الأدنى للعيش وتعزيز الاندماج في سوق العمل.
هارتس IV: إصلاح هيكلي غيّر الدولة الاجتماعية
دخل نظام هارتس IV حيّز التنفيذ في يناير 2005 ضمن أجندة 2010 التي أطلقها المستشار غيرهارد شرودر، بهدف خفض البطالة المزمنة وإعادة هيكلة سوق العمل. وجمع النظام بين إعانة البطالة والمساعدات الاجتماعية، وربط الدعم بشروط صارمة، أبرزها القبول بأي عمل متاح.
ورغم مساهمته في تقليص معدلات البطالة، واجه النظام انتقادات واسعة بسبب توسّع قطاع الأجور المنخفضة وازدياد عدد العاملين الذين يعتمدون جزئيًا على الدعم الحكومي رغم عملهم.
القضاء الدستوري يفرض حدودًا على العقوبات
شكّل حكم المحكمة الدستورية الاتحادية عام 2019 محطة مفصلية، إذ قضت بعدم دستورية العقوبات التي تتجاوز 30% من الإعانة، معتبرة أنها تمسّ كرامة الإنسان. وأجبر هذا القرار الحكومات المتعاقبة على إعادة تقييم فلسفة العقوبات، واضعًا قيودًا قانونية دائمة على تشديد نظام الدعم.
إعانة المواطن: انتقال نحو الثقة والتأهيل
في يناير 2023، استُبدل هارتس IV بإعانة المواطن، في خطوة وُصفت بأنها أكبر إصلاح اجتماعي منذ عقدين. وركّز النظام الجديد على تقليل العقوبات، ورفع المخصصات المالية، وتوسيع حدود الادخار المعفى، إلى جانب تعزيز برامج التدريب والتأهيل المهني.
إلا أن التقييم بعد عامين جاء متباينًا؛ إذ تراجعت العقوبات بشكل كبير، في مقابل انخفاض معدلات إدماج المستفيدين في سوق العمل، مع ارتفاع عدد المستفيدين إلى نحو 5.6 ملايين شخص، وتجاوز الكلفة السنوية 50 مليار يورو.
انعطافة سياسية نحو التشدد
أعاد هذا الواقع إشعال الجدل السياسي. ففي خريف 2025، أعلن المستشار فريدريش ميرتس أن «إعانة المواطن أصبحت من الماضي»، داعيًا إلى إعادة ربط الدعم الاجتماعي بواجبات أوضح تجاه العمل. وجاء هذا التوجه في سياق تباطؤ اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، ما منح النقاش بعدًا ماليًا وسياسيًا أوسع.
«الضمان الاجتماعي الجديد»: ملامح نظام قيد التشريع
النظام المزمع تطبيقه اعتبارًا من 2026 ينص على تشديد التزامات المشاركة في سوق العمل، مع إمكانية الحرمان الكامل من الإعانات في حالات محددة من الرفض المتكرر للعمل، مع الإبقاء على أدوات التأهيل المهني. وتحذّر النقابات ومنظمات الرعاية من أن هذه الخطوة تمثل عودة إلى منطق هارتس IV، بينما تؤكد الحكومة أنها تسعى إلى تحقيق توازن بين الدعم والمسؤولية.
مسار مفتوح على الجدل
بعد ثلاثة تحولات كبرى خلال عقدين، ما يزال نظام الدعم الاجتماعي في ألمانيا ساحة نقاش سياسي وقانوني مستمر. وبين متطلبات العدالة الاجتماعية وضغوط سوق العمل والمالية العامة، يبقى نجاح «الضمان الاجتماعي الجديد» مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن لم تنجح الإصلاحات السابقة في ترسيخه بشكل دائم.
المصدر باللغة الألمانية هنا
