يعد المطبخ اليمني أحد المكونات الأساسية للثقافة اليمنية وتراثها غير المادي. فهو لا يقتصر على وصفات أو أطباق، بل يتجسّد في ممارسات يومية ترتبط بالهوية، وبأنماط الاجتماع، وبالتعامل مع الموارد المتاحة. ويظهر هذا التنوع بوضوح نتيجة الامتداد الجغرافي لليمن وتعدّد بيئاته بين الجبال والسواحل والريف، ما أفرز ثراءً ملحوظًا في الأطعمة وطرق تحضيرها.
وتتميّز المائدة اليمنية بأن كل مدينة وقرية ومحافظة تمتلك طبقًا رئيسيًا يعبّر عن بيئتها وظروفها الطبيعية. وغالبًا ما يظن المتذوّق في التجربة الأولى أن هذا الطبق يمثّل المطبخ اليمني عمومًا، غير أن تكرار التجربة يكشف أن كل طبق يعكس خصوصية مكانه. ومع الوقت، تتحوّل الرائحة والطعم إلى وسيلتين للتعرّف على المنطقة، في علاقة مباشرة بين الغذاء والمكان، وبين المطبخ والطبيعة المحلية.
تنوّع أدوات الطهي في المطبخ اليمني وعلاقتها بالطبيعة
يحضّر اليمنيون الأرز بأكثر من ثماني طرق مختلفة، ويُطهى السمك بأكثر من ست طرق متنوّعة، إلى جانب تنوّع كبير في أنواع الخبز. وتمثّل هذه الأرقام مؤشرًا على تنوّع تقني في أساليب الطهي، وليس مجرد اختلاف في الوصفات. وتقوم هذه الأطباق على مكونات أساسية تشمل الحبوب، والأرز، ولحم الضأن، والدجاج، والأسماك، مع استخدام بهارات ذات رائحة ومذاق مميّزين. وتتوزع طرق الطهي بين الأدوات الحديثة والأساليب التقليدية التي ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل الطهي في التنور الأرضي أو استخدام الأواني الحجرية والفخارية.
وتنبع أصالة الروائح من التفاعل بين المكونات، والأداة، ووقت الطهي، وهي عناصر لا تنفصل عن وظيفة الأداة نفسها. ولا يكاد يخلو بيت يمني من بعض هذه الأدوات التي تشكّل جزءًا من الممارسة اليومية في الطهي والمذاق. فعلى سبيل المثال، يحرص اليمنيون على امتلاك «الحَرَضة»، وهي أداة يستخدمونها في تناول طبق الفحسة، كما تُستعمل في طهي بعض أنواع الطعام الأخرى، بما يعكس ارتباط الأداة بوظيفتها وبالنكهة في آنٍ واحد.
الأطباق الرئيسة على المائدة اليمنية
في الحياة اليومية، تحتل الأطباق المعتمدة على الأرز واللحم، والفحسة والسلتة، موقعًا مركزيًا، إلى جانب أطباق تُحضَّر في المناسبات والعزائم. وتشمل هذه الأطباق، على سبيل المثال: المندي الذي يُطهى بطريقة غير مباشرة داخل التنور • المدفون الذي يُحضَّر في حفرة تحت الأرض محاطة بالفحم • المضغوط، والحنيذ، والزربيان، المرتبطة بالولائم • الرز البخاري، والصيادية. وتكشف هذه الأطباق عن بنية غذائية تجمع بين تلبية الاحتياج اليومي والبعد الاجتماعي المرتبط بالتشارك والضيافة.
أطباق المرق بوصفها ممارسة غذائية واجتماعية
تؤدي أطباق المرق دورًا غذائيًا واجتماعيًا في آنٍ واحد. إذ تُحضَّر الفحسة في أوانٍ حجرية توضع مباشرة على النار، ويُضاف إليها اللحم والمرق والحلبة، وتُقدَّم وهي تغلي. وبالطريقة نفسها، مع اختلاف المكونات والبهارات، تُحضَّر أطباق السلتة والعصيدة بوصفها جزءًا من بنية غذائية متكرّرة. وتُعد السلتة، خصوصًا في صنعاء والمناطق الشمالية، وجبة يومية تُؤكل جماعيًا من وعاء واحد، بما يعكس مفاهيم التشارك والتماسك المجتمعي. كما تُحضَّر العصيدة من الحبوب الصحية وتُقدَّم ضمن طقوس جماعية متوارثة. وتوجد أكلات أخرى مثل الهريش بالسمن والعسل، والمعصوب، وشتيحة المصنوعة من حبوب الذرة واللبن، وتُؤكل مع السمن البلدي والحليب.

الفحسة/ Foto: Jalal Husaini
المطبخ اليمني وغنى المخبوزات والمعجنات
يحتل الخبز موقعًا أساسيًا في الوجبة اليمنية، ويتنوّع بين اللحوح، والخمير، والخبز، والملوّح، وخبز الطاوة، والمقلقل، والزلابيا، والمطبق، والذمول، والكبانة، وخبز الصاج الذي يُؤكل مع الطماطم والفلفل الحار والأعشاب. إضافة إلى المقصقص، وبنت الصحن، والسبايا، والسوسي المكوّن من الحليب والخبز والبيض وحبة البركة والسمسم. أما المشروبات الشعبية، فتشمل قهوة القشر المنزوعة من حبة البن، والتي تمتاز بنكهة خاصة ومميّزة، وقهوة البن القادمة من مناطق حراز وبني مطر، حيث يحتل البن اليمني مكانة متقدمة عالميًا من حيث جودة النكهة والمذاق. كما تشمل القهوة البيضانية، والشاي العدني، والشاي الأحمر. وتُقدَّم هذه المشروبات بوصفها جزءًا من النظام الغذائي اليومي، وترتبط بعادات مستقرة في الحياة الاجتماعية، ولكل منها نكهته ورائحته المرتبطة بوقت من أوقات اليوم أو بمناسبة معيّنة.

Foto: Jalal Husaini
انتقال المطبخ اليمني إلى خارج اليمن

Foto: Jalal Husaini
مع توسّع الهجرة اليمنية، ولا سيما في السنوات الأخيرة بسبب الحرب وسيطرة مليشيا الحوثيين على العاصمة صنعاء ومناطق أخرى، انتقل هذا الموروث الغذائي إلى مدن عديدة حول العالم.وظهرت المطاعم اليمنية بوصفها فضاءات تجمع بين النشاط الاقتصادي والدور الثقافي، وأصبح الطعام وسيلة للتعريف باليمن من خلال الممارسة اليومية، بعيدًا عن الصور النمطية السائدة. يمكن لأي زائر للمطعم اليمني أن يقوم برحلة إلى عمق التاريخ اليمني المتنوّع، من خلال أطباق قادمة من صنعاء، وحضرموت، وعدن، ومأرب، وتعز، والحديدة، وذمار، والمحويت، وبني مطر، وغيرها من المدن والقرى اليمنية.
تجربة فريق أمل هامبورغ في توثيق المطبخ اليمني
يتكوّن فريق أمل هامبورغ الصحفي من صحفيين ينتمون إلى خلفيات ثقافية متعددة: عربية، وفارسية، وأوكرانية، وبقيادة ألمانية. وفي هذا السياق، زار الفريق مطعم باب اليمن في مدينة هامبورغ، ما أتاح قراءة جماعية للتجربة من زوايا مختلفة. وخلال الزيارة، لم يكن التركيز على تقييم الأطباق، بل على ملاحظة التفاعل حول المائدة، وطرق التقديم، وإيقاع الوجبة، والتنوّع في المذاق، واختلاف الروائح. وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الثقافية لأعضاء الفريق، برز تقاطع واضح في التجربة الحسية للطعام، حيث تلاقت ملاحظاتهم حول النكهة وطرق الطهي، بما يبيّن قدرة المطبخ اليمني على خلق مساحة مشتركة للتجربة تتجاوز الاختلافات الثقافية دون أن تلغيها.

فريق أمل هامبورغ/ Foto: Eman Helal
المطبخ اليمني ليس مجرد مجموعة أطباق، بل نظام ثقافي متكامل قادر على الانتقال وإعادة إنتاج نفسه في سياقات جديدة. ومن خلال تتبّع بنيته الداخلية وتجربته خارج حدوده، يتبيّن أن الطعام يمكن أن يعمل كوسيط ثقافي فعّال، يحمل الذاكرة والهوية ويعيد تشكيلهما عبر الممارسة اليومية.وبهذا يتعرّف الزائر لليمن أو لمطاعم اليمن على أن المطبخ اليمني لا يقدّم نفسه كتراث محفوظ، بل كخبرة حيّة قادرة على العبور، والتفاعل، وإعادة إنتاج المعنى عبر الطعام.
