لا تبدو بداية عام 2026 مبشّرة بالخير، لا سيما على صعيد السياسات المتعلقة بالهجرة واللجوء في ألمانيا. فمع الأسبوع الأول من العام، يتصاعد الخطاب السياسي المتشدد، وتعود ملفات كانت تُعد شديدة الحساسية إلى الواجهة، وفي مقدمتها مصير مئات آلاف اللاجئين. وبينما كان من المفترض أن تشكّل مرحلة ما بعد الحروب فرصة لإعادة التفكير في مقاربات أكثر توازناً وإنسانية، تشير المؤشرات الراهنة إلى اتجاه معاكس. إذ تستدعي الأحزاب سياسات التقييد والترحيل كأدوات سياسية في خضم صراع داخلي محتدم، يهدد بإعادة رسم ملامح سياسة اللجوء في البلاد.
خاصةً بعد أن أعاد حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) ملف اللجوء إلى واجهة النقاش السياسي في ألمانيا. من خلال مطالبات صريحة بتشديد سياسة الهجرة، وعلى رأسها الدعوة إلى إعادة “معظم اللاجئين السوريين” إلى بلادهم. هذه المواقف، التي كشفت عنها تقارير لكل من Tagesschau وDer Spiegel، تعكس تصعيداً لافتاً في الخطاب السياسي داخل معسكر الاتحاد المسيحي.
السوريون بين الخطاب السياسي والواقع الميداني
بحسب ما أوردته Tagesschau، يستند الاتحاد الاجتماعي المسيحي في موقفه إلى اعتبار أن الحرب الأهلية السورية قد انتهت. وأن أسباب الحماية للاجئين السوريين الحاصلين على إقامات مؤقتة لم تعد قائمة. وتبعاً لذلك، يطالب الحزب ببدء عمليات عودة سريعة، طوعية أو قسرية، مع إطلاق ما وصفه بـ”حملة ترحيل واسعة” ابتداءً من عام 2026.
في المقابل، تشير Der Spiegel إلى أن هذا التقييم لا يحظى بإجماع حتى داخل التحالف المسيحي نفسه. فقد حذّر وزير الخارجية الألماني من أن العودة الواسعة النطاق ما تزال محدودة الإمكانية بسبب الدمار الواسع في البنية التحتية السورية. وهو ما يكشف التناقض بين الطرح الحزبي والتقديرات الدبلوماسية الرسمية.
الترحيل القسري: بين الرمزية السياسية والعقبات القانونية
كما تكشف الوثائق الداخلية للاتحاد الاجتماعي المسيحي دعواته إلى ترحيل من لا يغادرون طواعية “بأسرع وقت ممكن”. مع إعطاء الأولوية لترحيل مرتكبي الجرائم. ورغم أن هذا الطرح يحظى بقبول شعبي نسبي، لكن دير شبيغل تلفت إلى أن حالات الترحيل إلى سوريا ما تزال تعد استثنائية للغاية، وتخضع لقيود قانونية وإنسانية صارمة. كما يشير الطرح الحزبي إلى أن اللاجئ الذي يسافر إلى بلده الأصلي يفقد تلقائياً وضع الحماية. وهي نقطة تعتبر جزءاً من محاولة تشديد شروط اللجوء سياسياً أكثر منها معالجة قانونية شاملة.
اللاجئون الأوكرانيون: تشديد يتجاوز الملف السوري
وبحسب مسودة بيان الحزب، لا يقتصر التشدد على السوريين، بل يشمل أيضاً اللاجئين الأوكرانيين، ولا سيما الرجال في سن التجنيد. ويطالب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وفق التقرير، بأن “يساهم الرجال القادرون على العمل في الدفاع عن بلادهم”. وهو ما يعكس تحولاً في الخطاب تجاه فئة حظيت سابقاً بدعم شبه إجماعي داخل ألمانيا.
صدام مع الإطار الأوروبي حول الهجرة ونظام الرعاية الاجتماعية
وتشير التقارير أيضاً إلى أن أحد المحاور الأساسية في رؤية الاتحاد الاجتماعي المسيحي يتمثل في تشديد القيود على الهجرة إلى نظام الرعاية الاجتماعية الألماني. ويشمل ذلك السعي إلى تقييد تعريف “العامل” في توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن حرية التنقل، بهدف الحد مما يصفه الحزب بـ”الهجرة بدافع الفقر” و”الاحتيال المنظم على الإعانات”. وترى دير شبيغل أن هذا التوجه قد يفتح مواجهة مباشرة مع الإطار القانوني الأوروبي. إذ إن حرية التنقل والعمل تعد من الركائز الأساسية للاتحاد الأوروبي، ولا يمكن تعديلها بقرار وطني منفرد.
سياسة اللجوء كسلاح في الصراع السياسي
تظهر التقارير التي نشرتها تاغسشاو ودير شبيغل أن تشديد سياسة اللجوء بات أداة سياسية مركزية في خطاب الاتحاد الاجتماعي المسيحي. سواء كان ذلك لمخاطبة الناخبين القلقين من الهجرة أو لمواجهة صعود اليمين الشعبوي. غير أن الفجوة بين الخطاب المتشدد والواقع القانوني والدولي تطرح تساؤلات جدية حول مدى قابلية هذه الطروحات للتنفيذ. وبينما تتجه النقاشات نحو مزيد من التصعيد، يبقى ملف اللجوء مرآة تعكس التوتر القائم داخل السياسة الألمانية بين الاعتبارات الإنسانية، والضغوط الانتخابية، والالتزامات الأوروبية والدولية.
