في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، تحول تاريخ سقوط النظام السوري إلى مناسبة للاحتفال بـ عيد تحرير سوريا السعيد، وهو ما عكس فرحًا وارتياحًا هائلاًفي المدن السورية وبين الجاليات في الخارج، نهاية لـ آلة كابوسيةاستمرت لأكثر من خمسة عقود. هذا ما افتتح به المتحدثون من منتدى برلين حول الشؤون السجنية ومن مؤسسة فريدريش إيبرت، الذي انعقد لتقييم العام الأول الذي تلا التغيير الجذري. توازى هذا الاحتفال بالأمل مع مناقشات في الكونغرس الأمريكي حول إلغاء قانون قيصر، مما يُتوقع أن يمثل ارتياحاً كبيراًيفتح الباب أمام مليارات الدولارات لدعم عملية إعادة الإعمار. لكنّ الجلسة كشفت عن مسافة شاسعة بين الفرح بانتهاء الديكتاتورية والتحديات المعقدة لإرساء العدالة وبناء دولة جديدة.

عامر مطر… حين وجدت ملفي

قدم الصحفي والناشط عامر مطر، مؤسس مؤسسة متحف السجون، شهادة مؤثرة ترمز إلى عملية كشف الحقيقة. مطر، المعتقل السابق في الفرع 215 سيئ السمعة، قرأ من ملف المخابرات السورية الذي كتب عنه، والمكون من 78 صفحة. وأشار مطر، الذي اعتُقل وهو شاب لـ16 يوماً بسبب عمله الصحفي، إلى أن هذه الوثائق كشفت كيف كانت المخابرات تتجسس على مكالماته وتفسرها بطريقتها الخاصة. وكيف تمنى أن لا يكون أحد معارفه أو أصدقائه هو من وشى به، عندما حصل على تلك الملفات. تمثل هذه القراءة انتصارًا للذاكرة، وتوثيقاً منهجيًا للانتهاك الذي تعرض له الآلاف من السوريين.

العدالة المنتظرة وتعرية الماضي

أكد المحامي والناشط الحقوقي أنور البني أن قضية العدالة الانتقالية لم تتحققحتى الآن، وأن الإجراءات الحالية هي استعراضلا يفي بالمتطلبات، معتبراً ان المحاكمات الحالية هي فقط محاكمات استعراضية. وأبرز البني تحديين رئيسيين: المفقودون القسريون مقدراً عددهم بأنه لا يقل عن 300 ألف سوري والذين ما يزال مصيرهم مجهولاً، مما يؤثر على عائلاتهم المنتظرة لأي حقيقة مهما كانت عنهم، مؤكداً أن هذه هي القضية الأهم. ثانياً: غياب الإرادة القانونية، وقد شدد البني على أن القضاء السوري لا يزال فاشلاً، والقوانين الحالية لا تحتوي على مواد واضحة لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيةلذا، رأى البني أن الطريق الوحيد للمضي قدماً هو إنشاء محاكم خاصة مشتركة سوريةدولية لمحاسبة الجناة على كافة المستويات، محذراً بشدة من أي عفو شامل؛ فـ لا عفو عن أي مجرم ارتكب جريمة تسببت بعذابات الناس“.

صدمة الواقع المعيشي وأزمة الثقة

تجاوز النقاش ملف السجون ليشمل الواقع المعيشي الهش الذي يواجه السوريين. فقد أعرب الكاتب والناشط السياسي ياسين الحاج صالح عن صدمته بـ مستوى الفقروالصور الصعبةالتي رآها خلال زيارته الأخيرة للبلاد، مشيراً إلى تداعيالبنية التحتية والخدمات. والأخطر من ذلك، هو ما وصفه بـ أزمة ثقة عميقةبين السوريين، وحالة الإنكار والخوفالتي تعيق بناء منظمات سياسية واجتماعية عابرة للطوائف، مما يرسخ الانقسام ويعيق عملية التغيير.

وتحدثت عُلا الشيخ حسن من منظمة “النساء الآن” عن معاناة المعتقلين المفرج عنهم ووضعهم المأساوي، مؤكدة أنهم يعيشون وضعاً سيئاً للغاية“. أبرزت علا الحاجة الماسة إلى الدعم الطبي بسبب الأمراض والآثار النفسية والجسدية طويلة الأمد الناتجة عن فترة الاعتقال، في ظل نقص الرعاية الصحية والأدوية. كما أشارت إلى وجود غربة واختلاففي تجارب السوريين الذين بقوا تحت ظروف صعبة ومن غادروا، مما يستلزم وقتاً وجهداً لـ نتكلم أكثر مع بعض“.

نحو الأمل والمحاسبة

رغم التشاؤم السياسي بشأن بطء مسار العدالة، حيث لاحظ ياسين الحاج صالح أن السلطة الجديدة تستخدم لغة الخطاب العسكري” خاصة أن الأمل في بناء وطن جديد بعد سقوط النظام الأسدي ترافق مع مشاهد من المجازر والانتهاكات الطائفية والمجتمعية، ما جعل “التحرير” مرهونًا بتحقيق عدالة حقيقية وإصلاح حقيقي. ويُحذّر ياسين الحاج صالح من أن مرور عام على التغيير لم يكن كافيًا لتضميد الجراح، مؤكدًا أن انتكاسات العنف والفوضى تُعيد طرح سؤال “أي سوريا ستُبنى بعد التحرير؟”  هل ستبنى على أساس جديد من العدالة الحقيقية والمساواة والإصلاح، أم ستغرق في دوامة الانتقام والانقسام، لتكون “نجاة سوريا الجديدة من موت متجدد”.

كما اكد على أن  “لا تقتصر العدالة الانتقالية على جرائم الحكم الأسدي، وإغفال الجرائم الأحدث”. ومن أجل انتقال حقيقي لا بد من مسار عدالة انتقالية شامل لا يُفرِدها عن غيرها. و” ليس ثمة منطق في الدفاع عن الوحدة السورية دون اعتبار المجازر الأحدث، مثل الأقدم، تجاربَ مكونة للوطنية السورية”. ليطرح سؤاله: “هل علينا أن نفكر في المجازر الأقدم والأحدث كمُستمرٍّ يجب قطعه والقطيعة معه؟ أم نفكر فيها بمنطق مجزرة ضد مجزرة أو مجزرة مقابل مجزرة، ويختار كلٌّ منّا مجازره المفضلة؟”، في النهاية، أكد الحاج صالح على ضرورة الوقوف بوجه القوي والمغترّ بالسلطة، إن وقف ضد سوريين أضعف منه. فالضحايا الضعفاء فقط هم من يحتاجون للمساندة.

أما عُلا الشيخ حسن أكدت أن الأمل في البداية كان يكمن في وجود مبادرات أهلية تسعى لـ حل محل الدولةفي تقديم المساعدة، مما يولد الإحساس بملكية المكان والانتماء” حتى وإن كانت قليلة. وأشارت إلى أن الشعور بالخوفالعام بدأ يقل تدريجياً في المناطق المحررة، مما يسمح للناس بأن يكونوا إيجابيين وفاعلين“.

في الختام، اتفق المشاركون على أن الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، لكن المبدأ الأساسي الذي يجب أن يحكم المرحلة القادمة، كما لخصه أنور البني، هو أن  لا يوجد سلام مستدام، بلا عدالة، فهي الضامن لحقوق كل السوريين. فلا يمكن بناء سوريا الجديدة، اذا لم تكن الدولة وقوانينها على نفس المسافة من كافة مواطنيها.

10. ديسمبر 2025

عام على السقوط: العدالة والذاكرة على طريق سوريا الجديدة

في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، تحول تاريخ سقوط النظام السوري إلى مناسبة للاحتفال بـ “عيد تحرير سوريا السعيد“، وهو ما عكس “فرحًا وارتياحًا هائلاً” في المدن السورية وبين الجاليات في الخارج، نهاية لـ “آلة كابوسية” استمرت لأكثر من خمسة عقود. هذا ما افتتح به المتحدثون من منتدى برلين حول الشؤون السجنية ومن مؤسسة فريدريش… Read more »

Amal, Hamburg!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.