أعلنت محكمة كيمنتس الإقليمية أن إحدى القضايا المرتبطة بأعمال العنف اليمينية المتطرفة التي وقعت عام 2018 في كيمنتس انتهت بعد يومين فقط من المرافعات. فقد فُرضت يوم الجمعة على المتهمَين غرامة مالية قدرها 750 يورو لكل منهما لصالح جمعية RAA ساكسن. وإذا سددا المبلغ المطلوب حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، فسيتم إغلاق الدعوى بشكل نهائي.
وبررت المحكمة القرار بأن المتهمَين ليسوا من أصحاب سوابق، ولم يرتكبا جرائم منذ أحداث 2018. وتتهمهما النيابة بالمشاركة في أيلول/ سبتمبر 2018، عقب ما سمي بـ”مسيرة الحداد” التي نظمتها أحزاب وحركات يمينية مثل AfD و”بيغيدا” والجماعة المتطرفة “برو كيمنتس”، بمطاردة خصوم سياسيين وتهديدهم والاعتداء عليهم، فيما رُددت شعارات يمينية متطرفة وأصيب عدد من الأشخاص.
هذه الحوادث عُرفت آنذاك بـ”حملات مطاردة الأجانب”، ونالت تغطية إعلامية واسعة في ألمانيا، لتثير جدلاً سياسياً كبيراً كلّف رئيس هيئة حماية الدستور حينها، هانس-غيورغ ماسن، منصبه بعدما نفى وجود “مطاردات” وأكد عدم وجود أدلة. لاحقاً أصبح ماسن نفسه تحت رقابة جهاز الاستخبارات الداخلية.
وكانت أمل برلين قد غطت الحادثة هناك وكتبت حينها الزميلة أسماء يوسف هذا الريبورتاج.
الساعة الآن الثانية عشرة ظهراً. كل شيء ما يزال هادئاً في مدينة كيمنتس. تحت أقدامنا بحر من الزهور والشموع، في هذا المكان قُتل دانييل هـ. ومن هنا بدأ كل ما بات يرتبط باسم كيمنتس.
نقف أمام النصب الشهير: رأس كارل ماركس المنفصل عن جسده. ما الذي يمكن أن يرمز أكثر إلى شعور سكان ألمانيا الشرقية بعد الوحدة؟ إذ اقتُلعت حياتهم من جذورها، وفقدوا وظائفهم، وأُغلقت مصانعهم، وضاع منهم كل ما عرفوه. لكن كيمنتس أيضاً مدينة يعيش فيها، إلى جانب 20 ألف ساكن، نحو 7 آلاف لاجئ. هذه هي كيمنتس الأخرى، التي جئنا لنتعرف إليها. أنا وزميلي أوميد رضائي، الصحفي الإيراني الذي يعمل مثلي في منصة “أمل برلين!”، وصلنا إلى كيمنتس، حيث استقبلنا بعض الشبان العرب وناشطان مناهضان للفاشية. أولى محطاتنا: المطاعم السورية المتجاورة خلف نصب كارل ماركس مباشرة.
ماذا جرى في كيمنتس؟
عماد الخالدي، سوري في الخمسين من عمره، يرفع كتفيه بابتسامة. سُئل هذا السؤال كثيراً، لكنه لا يعرف الجواب. دعانا إلى شرب الشاي في محله للحلويات. كيف له أن يبقى هادئاً، فيما بعد ساعات قليلة سيجتمع أمام متجره مجدداً أنصار اليمين المتطرف، مطالبين برحيل أشخاص مثله عن ألمانيا؟ لا يعرف كيف يفسر الوضع القائم. لم يكن حاضراً عند مقتل دانييل هـ. في آب/ أغسطس، ولم يقابل أحداً كان هناك. “وقع الحادث ليلاً”، يقول عماد. وعندما علم به صباحاً، لم يفتح متجره. كان يتوقع أن يحدث شيء كهذا. ماركو هينكل، الناشط المناهض للنازيين الذي يرافقنا، يضيف: “أول ما عرفت عن الجريمة كان عبر صفحات يمينية على فيسبوك”.
ويشرح ماركو: “الأجواء العدائية في كيمنتس ليست جديدة. في التسعينيات شهدنا الكثير من الحوادث، عندما كانت الأحزاب اليمينية تزداد قوة، وغالباً ما اندلعت مواجهات مع مشجعي كرة القدم المتطرفين. آنذاك أيضاً كانت هناك اعتداءات متكررة على الأجانب ومساكن طالبي اللجوء. الجديد اليوم هو تحالف مختلف الجماعات اليمينية معاً”.
عماد يعاود تقديم الشاي، ثم يضيف: “نعم هناك مشاكل مع الألمان ومع اليمين، لكن لدينا أيضاً مشاكل بيننا نحن، مع بعض الأزواج وأولادهم، ومع المراهقين الذين وصلوا من دون عائلاتهم. بعضهم يجلس يدخن الحشيش ويتحرش بالنساء. أنا لا أخاف من الألمان هنا، بل أخشى على بناتي من هؤلاء المراهقين. إنهم مشكلة حقيقية ويشوهون سمعة العرب كلهم في كيمنتس”.
ثم يكرر: “لكن الغالبية يتعلمون اللغة ويدرسون في مدارس مهنية، وهناك لاجئون من مصر والعراق وسوريا وإيران وأفغانستان يعملون بجد. أنا على علاقة طيبة مع زبائني الألمان. أساعدهم وأنا أتعلم لغتهم. خلال المظاهرات التي تمر أمام المحل، لا أتأثر. كل شيء بخير هنا في كيمنتس”. يكررها مراراً كأنها تعويذة: “كل شيء بخير في كيمنتس”.
لكن هل فعلاً كل شيء بخير؟
السيدة “م.”، مصرية تعيش منذ عامين في كيمنتس مع أسرتها، تقول العكس. زوجها يعمل في الجامعة التقنية. تعرضت منذ البداية لممارسات عنصرية: بائعة روسية رفضت التحدث معها، وبائع آسيوي رفض بيعها، وجار روسي تغاضى عن ضرب طفلها لطفل آخر حتى هددته بالشرطة. وتروي: “مرةً دفعني رجل ألماني بعنف فاضطررت للذهاب إلى الشرطة. بكيت كثيراً لأني لم أستطع حماية أطفالي. حتى اضطررت لزيارة طبيب نفسي”. تضيف: “بعد مقتل دانييل هـ. لم أعد أخرج كثيراً من المنزل. عندما أخرج، أرى نظرات شفقة أو ريبة”.
كيمنتس: هل نبقى أم نرحل؟
هذا النقاش ليس جديداً. منذ التسعينيات غادر كثير من السكان المدينة. يقول ماركو: “بعد الوحدة وإغلاق المصانع، رحل الكثيرون غرباً ولم يبق سوى كبار السن. والآن يغادر الطلاب بعد إنهاء دراستهم. حتى بعض اللاجئين يغادرون بحثاً عن فرص أفضل وتسامح أكبر”. بشار أ. يقول: “أعرف خمس عائلات غادرت في الأسابيع الأخيرة. وأنا أيضاً أفكر في الرحيل، فلا شعور بالأمان”. السيدة “م.” تؤكد: “لا أستطيع حتى التسوق بأمان. أصدقائي السوريون والمصريون يخشون الاعتراف بخوفهم، لكني خائفة فعلاً”.
في المقابل، يتمسك عماد الخالدي بالبقاء: “كيمنتس جميلة وهادئة. هنا حصلت على الإقامة، أعيش مثل الألمان مع تأمين صحي ومسكن. سأعمل ولن أكون عبئاً على الدولة. أريد أن أُثبت للألمان أننا نعمل وندفع الضرائب ونساهم مثلهم. ديننا أمرنا بالعمل، لا بالجلوس في مكاتب المساعدات”.
المساء في كيمنتس
مع حلول الظلام، بدأ أنصار اليمين يتجمعون تحت رأس كارل ماركس. كانوا أقل عدداً مما توقعنا، لكن شعاراتهم وغضبهم مطابق للتوقعات. تقدمنا بحذر ثم اقتربنا أكثر، ولاحظنا أنهم تجاهلونا تماماً. قبل ركوب القطار عائدين إلى برلين، مررنا على عماد لتوديعنا بفنجان شاي أخير. في المحل دخل شاب ليبي على كرسي متحرك وأراد أن يريَنا مقاطع فيديو تثبت تعرضه للعنصرية.
انتهى اليوم وعادت المدينة إلى هدوئها. كانت رحلة مدهشة إلى مدينة غريبة الملامح: في كل زاوية دلائل على الإهمال، ورمزها الأكبر رأس كارل ماركس بلا جسد. كيمنتس مدينة جميلة في جوهرها، لكنها مثقلة بسمعة سيئة، وسوء فهم، وأحكام مسبقة ممزوجة بالخوف. البعض يسمع عن الآخر ويخشى ما يعنيه ذلك له، فيرد بتوتر، وهكذا تتسلسل دوامة الشكوك.
هذه الزيارة ليوم واحد لم تكشف الصورة الكاملة، لكنها جعلتها أوضح مما لو رأيناها من بعيد. الحقيقة معقدة، مثل كعكة الحلوى التي يخبزها عماد الخالدي في متجره.
