في عصرٍ تتسارع فيه تنقلات الخبر والصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح “الكلام” سلاحًا أسرع من الرصاص، وأحيانًا أكثر إيذاءً. ما تعرضت له الإعلامية دنيا حيالي، من تهديدات وحملات إلكترونية بعد تقديمها فقرة إخبارية عن حادثة محاولة اغتيال الناشط الأمريكي تشارلي كيرك، يشكّل جزءًا من مشكلة أكبر. إنها الكراهية المخبّأة وراء شعارات حرية التعبير، والمتخفية خلف “الهوية المجهولة” للمستخدم.
لماذا خرجت الأمور عن السيطرة؟
يستخدم الكثيرون أسماءً مستعارة أو حسابات مزيفة، ما يقلّل من المسؤولية الأخلاقية والقانونية نحو الكلام الذي يقال في حالة غضب أو استفزاز. فيختفي الضمير غالبًا حين لا يراه الآخرون. كما أن الإعلام والفضاء الرقمي يشجعان على الإثارة، على العنوان الجريء؛ يسائل الناس من زاوية عاطفية أكثر مما يُناقش منطقهم. في حالة حيالي، قدّموا تصريحاتها بانتقائية، فقد ركزوا على بعض ما قالته مثلاً عندما وصفت كيرك بأنه “مؤثر متطرف ومثير للجدل للغاية” و“مؤيد مؤامرة دينية متطرفة”. لكنها في الوقت ذاته شددت على أن “الاحتفال بمحاولة اغتياله لا يمكن تبريره بأي شيء، حتى مع تصريحاته البغيضة والعنصرية والمتطرفة”. ورغم وضوح هذا الموقف، قوبلت بتعليقات كراهية وتهديدات بالقتل. ومن المعروف أن ألمانيا لديها قوانين ضد التحريض والتهديد، إلا أن الملاحقة غالبًا ما تكون بطيئة أو معرّضة للإهمال، ما يسمح لهؤلاء المعتدين أن يشعروا بأن لا عواقب لما يقوله.
موقف دنيا حيالي: بين الصمود والانكسار
بعد موجة التهديدات والسبّ، أعلنت حيالي عن توقفها المؤقت عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس الضغط النفسي الكبير الذي تعرضت له. قرارها ليس ضعفًا، بل رسالة واضحة. فحتى الشخصيات العامة التي اعتادت النقد والمواجهة لها حدود إنسانية، ولا يجوز تحميلها وزر كراهية الآخرين.
الأرقام تتحدث: 117 ألف توقيع في ساعات
أطلقت الوسيطة روث موشنر، عريضة بعنوان “أوقفوا كراهية الإنترنت المجهولة!” بعد العداء الهائل الذي تعرضت له حيالي. العريضة، التي أطلقتها جمعت في فترة قصيرة أكثر من 117 ألف توقيع في فترة ما بعد الظهر وحدها. وهو رقم يكشف مدى استياء الرأي العام من تفشي هذه الظاهرة. وتطالب العريضة بمقاضاة متسقة وغير معقدة لتعليقات الكراهية والتهديدات على الإنترنت، التزامات واضحة للمنصات الرقمية لمكافحة خطاب الكراهية بشكل فعّال وسريع. وهنا نلاحظ أن هذا الالتفاف الشعبي يعكس شعورًا متناميًا بأن المجتمع لم يعد يحتمل صمت السلطات أو تقاعس المنصات.
من يدعم دنيا حيالي أيضاً؟
أعلن كلٌّ من جمعية الكتاب الألمانية PEN Zentrum Deutschland ونقابة الصحفيين dju دعمًا صريحًا لـ دنيا حيالي و إلمار ثِفيْسِن من ZDF بعد تعرّضهما للتهديدات والهجوم إثر تصريحاتهما حول اغتيال الناشط الأمريكي تشارلي كيرك. ثِفيْسِن أدلى بنقد حاد لدوائر يمينية متطرفة مرتبطة بالرئيس ترامب. مما أثار ردودًا سياسية تشمل المطالبة بسحب تأشيرته (الفيزا). انتقدت PEN ما وصفته بـ “تأزّم النقاش العام”، والدعوة إلى تهدئة لغة الخطاب، خصوصًا من الأفراد السياسيين. رئيس PEN، ماتياس بوليتيكّي، قال إن تهديد الصحفيين إلى درجة تجعلهم ينسحبون من الساحة العامة، هو “الساعة الخامسة بعد منتصف الليل” لديموقراطيتنا. النقابات والمنظمات الصحفية طالبت بأن تعامل هذه الحالات ليس باعتبارها “ردود فعل عابرة”. بل كقضية جوهرية تمس حقوق التعبير، حرية الصحافة، فضلًا عن كرامة الأفراد.
كيف يثري هذا الدعم النقاش؟
حين تنضم مؤسسات مثل PEN وdju، يتحول الأمر من “هجوم إلكتروني على مذيعة” إلى “هجوم على حرية الصحافة والحق في النقد”. الدعم المؤسسي يعطي وزنًا أخلاقيًا وسياسيًا للقضية. كما أن التهديد بسحب التأشيرة من ثِفيْسِن هو مثال على كيف يمكن أن تتدخل السياسة في حرية الصحافة. والدعوات من المنظمات تُلزم الجهات الرسمية بأن تفكر مرتين قبل استخدام صلاحياتها بطريقة قد تُخنق النقد. بالإضافة إلى إثارة وعي عام – أن ما يحدث لا يخص مذيعة واحدة بل يعكس ما يمكن أن يحدث لأي صحفي أو صحفية. وأن الهجوم على الصحفي هو هجوم على الديمقراطية، والصمت لا يحمي بل يغذي الظاهرة.
ما تعرضت له دنيا حيالي، و إلمار ثِفيْسِن، ليس مجرد حادثة إعلامية، بل مرآة لواقعٍ مؤلم. حيث العداء والكراهية والتهديدات أصبحت جزءًا من حياة العاملين في الإعلام. لكن ظهور الدعم المؤسسي من PEN وdju، وتحقيق العريضة لمئات الآلاف من التواقيع، هي دلائل قوية أن غضب الجمهور موجود، وأن هناك رغبة حقيقية في التغيير. فالديمقراطية لا تبنى بالكلمات الجميلة وحدها، بل بالممارسات التي تحافظ على حرية التعبير دون أن تتحول إلى سلاح يهدم النفس الإنسانية. لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل تلتقط الحكومات والإدارات الرقمية هذه الإشارة لتعيد التوازن بين حرية الرأي ومسؤولية الكلمة؟
Bild von Patrick Pleul/dpa
