Photo: Dalal Hassan
21/04/2020

كورونا وعصر جديد من العلاقات الإنسانية!

منذ أن انتشر وباء كورونا العالمي، فرضت الكثير من الدول العزل المنزلي وقيود كثيرة على الفرد والمجتمع، كآلية احترازية للحد من انتشار الفيروس، الأمر الذي انعكس على حياتنا العملية والاجتماعية بل والعاطفية، إذ فرض كورونا الذي لا يرى بالعين المجردة الكثير من الحواجز حتى في الاطار الأسري، وأوقف الحياة بشكل مؤقت..

هنا في ألمانيا ومنذ بداية فرض العزل المنزلي والاحترازات الصحية العامة، لفت انتباهي الانضباط الكبير النابع من الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر سواء من الألمان او من العرب والمسلمين الذي يشكلون أكبر نسبة للأقليات في البلاد، وقبل ذلك لفت انتباهي الشعور بالمسؤولية عند الجميع، ربما هذا ما جعل ألمانيا أقل الدول تضررًا من الفيروس رغم انتشاره بشكل كبير في البداية!

فريق متنوع لهدف واحد

في مدينة نوردرشتيدت شُكل فريق من المتطوعين العرب وجاليات أخرى، ولحسن الحظ كنت أحد أعضائه، وضم الفريق عربا من اليمن، سوريا والعراق، وأكراد وأشخاص من إيران، أفغانستان وتركيا، كما ضم أرتيريين وروس، وتم التنسيق مع مسؤولة الاندماج في البلدية Integrationsbeauftragte Kröger Heide عبر السيدة هيرو هيوا امين، مديرة مشروع Partizipieren statt Risegnieren لتنفيذ نشاطات مختلفة تطوعية بغرض مساعدة المجتمع على الالتزام بالحجر الصحي.

فاجأني ذلك الحماس، تم تنفيذ أنشطة مختلفة، منها التنظيف والاشراف على مساعدة كبار السن في مخيمات اللاجئين، وترجمة الاخبار والمعلومات الواردة عن كورونا من قبل بعض الشباب المتطوعين المشرفين على مجموعات في الواتساب، إلى اللغات العربية والفارسية والكردية والروسية والانجليزية، بهدف المساعدة في تهدئة الناس ونقل الأخبار من المصادر الموثوقة لتخفيف القلق ومنع تداول معلومات غير صحيحة.

توسعت الفكرة وامتدت هذه النشاطات بعد تطوع مجموعة من النساء والرجال الأكراد الذين قاموا بخياطة كمامات للمتطوعين ولسكان المخيمات، حتى وصل العدد إلى 2000 كمامة تم توزيعها أيضا للألمان. وقد أخبرتني السيدة هيروهيوا وهي كردية عراقية والمشرفة على عمل الفرق المتطوعة، حيث تواصلت معها عبر الهاتف لمعرفة التطورات، فقالت إن هناك عيادة طبيب عام وطبيب أمراض نساء طلب كمامات للموظفين وللمرضى، وهي تعمل على توفير المعدات اللازمة لصنع كمية كافية من الكمامات.

التكاتف والعلاقات الإنسانية السامية

كما شكلت كل مجموعة من المتطوعين فريقا لتنظيف وتعقيم المطابخ والحمامات المشتركة وغرف الغسيل، بواقع مرتين في الأسبوع، وتم تشكيل فرق مراقبة في مراكز الإيواء لمتابعة تحركات للغرباء داخل المراكز، ورصد أي مخالفة من شانها أن تؤثر على صحة المتواجدين هناك. لجأت فرق المتطوعين هذه إلى عقد اجتماعات رقمية كل يومين عبر برنامج زووم، لمتابعة التطورات وسير الانشطة وتبادل النصائح والمعلومات الصحيحة حول تطورات الوباء، وآخر قرارات الحكومة المتعلقة بإجراءات العزل.

باعتقادي، هذا الظرف العصيب الذي مرت به البشرية كان كفيلابكشف الكثير من خبايا النفس الانسانية، سواء على مستوى التعامل مع الآخر، او تعاملنا مع انفسنا على مستويات متعددة، فالأزمات بشكل عام تكشف الكثير من التفاصيل الانسانية الصغيرة التي طالما اخفتها زحمة الانشغالات الكثيرة التي تجعلنا لا نرى الآخر إلا كوظيفة فقط، ومنفعة تلغي الكثير من الجوانب الانسانية التي جعلت النفوس متصحرة، وجعلتنا غرباء عن بعضنا حتى داخل الأسرة الصغيرة! فبدل أن نقيم علاقة مع الآخر ككيان وإنسان مهم في حياتنا، كنا نبني علاقتنا فيه بحسب الدور الذي يؤديه هذا الآخر.. أي ننظر للأشخاص وفق قوالب!

حسنات كورونا!

أعتقد أن كورونا كان فرصة جيدة مع كل سلبياته، لنعيد اكتشاف عالمنا الداخلي ابتداء من أنفسنا، مرورا بعائلاتنا، وانتهاءًا بمجتمعنا الواسع العملي والعلمي، وأيضا إعادة ابتكار وسائل جديدة لعلاقاتنا الإنسانية التي شوه الكثير من ملامحها، انشغالات الحياة وزحمة اللهث وراء تحقيق حياة شكلية لا علاقة لها بالعلاقات الإنسانية الناجحة والسليمة، كما أنه فرصة لنثبت أننا نحن القادمين الجدد إلى ألمانيا جزء من هذا المجتمع الذي قدم لنا الحماية، لذا حين نرى فرصة لتقديم شيء لهذا البلد بحسب قدراتنا وامكانياتنا كنوع من المبادرة المجتمعية، يجب أن نبادر، لنقول للجميع بأننا أيضا جزء لا يتجزأ من منظومة هذا البلد الذي أصبح وطننا أيضًا.

  • سماح الشغدري
  • شاعرة وكاتبة من اليمن