سبتمبر 9, 2019

تحفظ ألماني على اتفاقية اسطنبول والإضرار بوضع المرأة المهاجرة

المحامية إسما كاكير شيلان

“كان لدي موكلة أفغانية عانت كثيرًا من العنف الذي يمارسها زوجها خلال رحلتها من أفغانستان إلى إيران إلى ألمانيا، وفي أحد الأيام عادت من درس اللغة واكتفت انه اختطف الأولاد واختفى، استطاعت السلطات الألمانية أن تعيده بعد أن كان خارج الحدود، وبدأ في تهديدها بشكل يومي، وكان من الطبيعي أن يتم إرسال الزوجة إلى مكان بعيد عنه لا يمكنه الوصول إليها فيه لكن القانون الألماني يمنع اللاجئ من العيش في مدينة أخرى دون شروط معينة، وكان أن قام الزوج بطعنها ثمان طعنات بينما كانت في طريقها خارج مكتبي، وهذا الوضع يعززه تحفظات ألمانيا على اتفاقية اسطنبول…”! المحامية إسما كاكير شيلان

“سيدة أخرى بعد شهرين من الزواج بدأ زوجها في ممارسة العنف عليها، وبسبب قانون الإقامة لم تستطع تغيير محل إقامتها بناء على رفض مكتب الأجانب، ثم وضعت المحكمة موعدًا للترحيل، فكيف سيتم إرسالها مع زوج ثبتت ممارسته العنف ضدها؟ كما أنها قبل ذلك لم تستطيع طلب الطلاق لسببين الأول أنه سيتم ترحيل الزوج بسبب ارتكابه للعنف وبالتالي سترحل هي معه والسبب الثاني هو أن القانون يشترط مرور 3 سنوات على الزواج حتى يمكنها الحصول على إقامة مستقلة، فلم لا تحصل الزوجة على إقامة مستقلة بعيدًا عن الزوج؟ استمرار هذا الوضع مرتبط بتحفظات ألمانيا على اتفاقية إسطنبول”. لوردس مارتينيتس من منظمة العفو من أجل النساء.

اقتباسان من النقاش الذي شهده المؤتمر الذي نظمه اتحاد منظمات داميجرا بمدينة إيرفورت DaMigra والمعنون: “وقف العنف ضد كل النساء وتنفيذ إتفاقية اسطنبول بدون شروط”، وأدارته المحاورة التليفزيونية آنا شيبو.

بقايا العقلية الكولونيالية والتحفظات

بروفيسورة زينب كيفيليشيم

ترى أستاذة القانون الدولي وكبيرة الباحثين بجامعة هومبولدت البروفيسورة زينب كيفيلشيم أن التحفظات الألمانية ما هي إلا امتداد للتوجه الاستعماري الأوروبي: “أريد حقًا أن أسيس هذا النوع من الإقصاء، ولابد من فهم تصنيف اللاجئين هكذا في سياقه التاريخي، ففي الدول الأوروبية النساء منقسمات ما بين امرأة أوروبية وأخرى مهاجرة أو غير أوروبية، وما يحدث عبارة عن استثناء مجموعة من النساء من حماية حقوق الإنسان وبشكل تاريخي تعد الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنساء هي الأكثر عرضة للتحفظ مثل سيداو، وتشير التقارير إلى أن اتفاقية حماية حقوق اللاجئين هي واحدة من الاتفاقيات التي لم توقع عليها ألمانيا، واستثناء غير الأوروبيات من الحماية هو فكر استعماري يسيطر على السياسة الغربية، فاللاجئين أو المهاجرين عادة من أفريقيا أو أسيا أو الشرق الأوسط وهي كانت دول استعمار أوروبي في الماضي، ولذا فالحديث عن سياسات الهجرة واللجوء الراهنة لا ينفصل عن المنظور الاستعماري كمؤثر على هذه السياسات”.

الاعتراف بالانتهاكات ضد النساء بشكل انتقائي

المحامية إنجا شوشمان

انتقدت المحامية والعضوة في اتحاد المحاميات الألمانيات إنجا شوشمان التحفظات وقالت بأن: “ألمانيا لاتستطيع القول بعدم تطبيق الاتفاقية وذلك وفقًا لمعايير دستورية داخلية وقوانين دولية” كما طالبت بأن يكون الدعم والاستشارة خالية من التمييز والعنصرية، حيث تعاني العديدات من المتضررات من ذلك، مشيرة إلى أن القول بأنها حالات فردية لا يمنع من كونها مشكلة كبيرة قد تمثل أغلبية الحالات بعد ذلك. وإضافت: “ما بين شهري يناير ويونيو 2019 كان 53% من مقدمي اللجوء إناث و80% منهن قاصرات، وهنا تأتي الحاجة لاتفاقية اسطنبول لأنها تخص كل الأشخاص”، كما أشارت إلى أن مشكلات النساء في المجتمع الألماني لا تقتصر فقط على المهاجرات “ولكن المجتمع لا يعترف بذلك إلا إذا كانت هذه المشكلات بين مجموعات ثقافية بعينها لأن قضايا مثل جرائم الشرف أو الزواج القسري تصبح مرتبطة بهذه المجموعات بينما مازال هناك القتل بسبب الانفصال والاغتصاب وهو يحدث داخل كل فئات المجتمع وكل طبقاته، ثم يأتي العنف ضد النساء المعوقات داخل مؤسسات الرعاية والعنف الإلكتروني”، كما طالبت بضرورة تعليم النساء القادمات عن حقوقهن بمجرد دخولهن ألمانيا بالإضافة للاعتراف بكل أنواع العنف “فما يجعل اتفاقية اسطنبول فعالة هو تعريفها الشامل لكل أنواع العنف”، وتحدثت عن المعايير الأدنى لحماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين بسبب تبعية بعض المؤسسات للبلديات وليس للدولة.

وزارة الأسرة تعد بالإهتمام

رئيس قسم المساواة لدى وزارة الأسرة الاتحادية دانيلا بيهرينس

وعدت رئيس قسم المساواة في الوزارة الاتحادية للأسرة والمرأة وكبار السن والشباب دانيلا بيهرنس بنقل وجهة نظر المجتمعات إلى الوزيرة فرانسيسكا جيفاي، كما شجعت المجتمعات على الاستمرار في نقاش التحفظات حتى انتهاء المهلة المحددة (خمس سنوات). أعلنت بيهرنس استمرار الوزارة في دعم اتحاد جمعيات داميجرا، ووصفتها بالشريك المهم للحكومة الألمانية، وعبرت عن أسفها لأنه مازال الحديث قائمًا عن قضايا إعتقدت انها انتهت منذ سنوات طويلة. وعرضت مجهودات الدولة الألمانية لمساعدة المهاجرات واللاجئات كوجود مترجمات لـ 17 لغة، وأشارت إلى أن 82% ممن عانوا من العنف والاغتصاب في عام 2017 كن من النساء، وقالت بأن “نسبة حالات العنف في العائلات المهاجرة كبيرة، لذلك قمنا بتطوير الهياكل الموجودة بمبلغ 6 مليون يورو، كما تم تطوير مآوي النساء بحوالي 12 مليون يورو، والآن نتحاور مع الولايات المختلفة لأجل استخدام أموال الولايات في مشاريع لأجل النساء المهاجرات”. ووعدت بأن المرأة ستكون موضوعًا أساسيًا لدى ألمانيا خلال رئاستها للمجلس الأوروبي.

مفوضة تكافؤ الفرص بمدينة إيرفورت بيرجيت آداماك

 

استغلال قضايا المهاجرات في الدعاية العنصرية

بينما عرضت مفوضة تكافؤ الفرص في إيرفورت بيرجيت آداميك مجهودات المدينة في دعم المرأة والشباب بشكل عام والمرأة المهاجرة على وجه الخصوص، بدأت مفوضة المساواة بين الجنسين عن تورنجن كاترين كريست آيرنفيندر حديثها عن مجموعة معينة من مظاهر العنف ضد المرأة والفتاة المهاجرة خاصة الختان والزواج القسري وأشارت أنه هناك ضررًا كبير جراء العنف المنزلي في العائلات المهاجرة لكل من النساء والأطفال، ثم عرضت مجهودات الولاية في مواجهة ذلك. وهو ما ثمنته مديرة اتحاد داميجرا د/ دلال أتماكا ولكن سلطت الضوء على إشكالية استغلال قضايا النساء اللاجئات من قبل

مفوضة المساواة بولاية تورنجن كاترين كريست آيزينفيندر

كل من العنصريين، حيث تقوم وسائل الإعلام بربط العنف الأسري بالعائلات المهاجرة والرجال من شمال أفريقيا مثلًا وذلك بناء صورة نمطية لأجل الترويج للعنصرية خاصة في فترات ما قبل الانتخابات، كما انتقدت وبشدة لا مبالاة بعض السياسيين من الرجال وتصوير البعض الآخر لأنفسهم على أنهم أبطال يدافعون عن المرأة من خلال وضعها في خانة الضحية بينما لا يمسحون لهن بفعل ذلك بأنفسهن. تقول: “لأجل ذلك الاتفاقية يجب تطبيقها دون تحفظات أو شروط”.

الكثير من العنف ضد النساء

أشارت التقارير والإحصائيات الناتجة عن بعض الاستبيانات التي تم استعراضها في المؤتمر إلى فداحة خطورة موقف المرأة من حيث تعرضها للعنف، فقد تعرضت 57% للعنف، كما تعرض نسبة كبيرة للعنف الاقتصادي والتمييز في بعض المؤسسات الحكومية الألمانية مثل الجوب سنتر ونصف العينة أجابت بالتعرض للتمييز في مراكز الاستشارة الألمانية الحكومية، بالإضافة للتعرض للعنف الجنسي والذي وصلت نسبته إلى 42%.

مديرة اتحاد داميجرا د/ دلال آتماك

ما هي اتفاقية اسطنبول؟ وما هي تحفظات ألمانيا؟

تم التوقيع على اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد النساء والعنف المنزلي، أو اتفاقية اسطنبول في 12 أبريل / نيسان 2011. أعلنت الاتفاقية العنف ضد المرأة على أنه انتهاك لحقوق الإنسان وشكل من أشكال التمييز. كما لم يقتصر تعريف الاتفاقية للعنف ضد المرأة على العنف البدني أو النفسي بل أيضًا ركزت على العواقب الناجمة عن التحيز ضد النوع (النساء) والاعتداءات الجنسية والتحرش، كالعواقب الاقتصادية مثلًا. صادقت ألمانيا على الاتفاقية في 1 فبراير 2018 ولكن مع التحفظ على الفقرتين 2 و3 من المادة 59 والمتعلقة بالنساء ذوات الخلفية المهاجرة واللاجئات اللائي وقعن ضحايا للعنف، فالفقرة الثانية تنص على حصول النساء ضحايا العنف على إقامة مستقلة وبالتالي حماية المرأة المعنفة من الترحيل مع زوج تعد حياتها معه في خطر. أما الفقرة الثالثة فتنص على تجديد الإقامة للزوجة المعنفة حال كانت شاهدة في قضية جنائية نتيجة لعنف تعرضت له، أو أن يكون وضعها سيء بحيث يصعب ترحيلها، وهو أمر تقديري غالبًا خاضع لتقدير السلطات. وتم قبول التحفظ على المادة 59 نظرًا لأنها كانت محل خلاف بالأساس ولم يتم التوصل بخصوصها لاتفاق، لذا سُمِحَ بالتحفظات للتشجيع على التصديق على الاتفاقية مع إعطاء مهلة للدول 5 سنوات لإعادة التفكير لرفع هذه التحفظات، وهنا تأتي مهمة النسويات في ألمانيا لأجل تطبيق الاتفاقية بلا شروط ولا أي تمييز بين النساء لا بسبب خلفياتهم الثقافية ولا الدينية ولا وضع إقاماتهم.
يذكر أن بريطانيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا والتشيك والمجر لم يوقعوا، بينما وقعت خمس دول فقط من الاتحاد الأوروبي دون تحفظات وهي بلجيكا أيسلندا وإيطاليا ولوكسمبورج والبرتغال.

جانب من الحاضرات