بين عبوة الحمص وكيس الكسكس… المنتجات العربية لم تعد غريبة في ألمانيا Amal, Frankfurt
3. مارس 2026

بين عبوة الحمص وكيس الكسكس… المنتجات العربية لم تعد غريبة في ألمانيا

قبل أيام، دخلتُ أحد فروع متجر “Tegut” في مدينة فرانكفورت لشراء علبة حمص حب بغرض تحضير طبق “فتّة الحمص” على مائدة الإفطار. أثناء بحثي عنها، أبهرني قسم يعجّ بتشكيلة ثرية من الأطعمة العربية. فلافل، وحمص، وفول معلب، وطحينة، إضافة إلى مزيج من التوابل الشرقية وغيرها. همست في نفسي: سبحان مغير الأحوال. فقبل سنوات، كان شراء هذه المنتجات يعني زيارة حتمية للمتاجر العربية أو التركية، مع احتمال أن تخرج منها بابتسامة.. وفاتورة أثقل قليلاً مما توقعت! أما اليوم، وبعد ما يقارب عشر سنوات على قدوم أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين العرب، فقد أصبحت علب الفلافل هنا أمامي داخل متجر ألماني. صحيح أن بعض الوصفات خضعت لتعديلات أو لمسات ألمانية محلية، فظهرت مثلاً فلافل بالعدس الأحمر أو فلافل بالبطاطا الحلوة، لكن الجوهر بقي قريباً من الوصفة الأصلية.

حضور يتوسع في ألمانيا

تاريخياً، كانت الأطعمة التي تُصنَّف تسويقياً على أنها “شرقية” أو “عربية” موجَّهة أساساً إلى الجاليات القادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باعتبارها امتداداً لثقافة الغذاء في بلدانهم الأصلية. أما اليوم، فقد خرجت هذه الأغذية من دائرة الاستهلاك الضيق إلى فضاء أوسع وأكثر جماهيرية. وأصبحت تُعرض في المتاجر الألمانية إلى جانب منتجات من مطابخ أخرى مثل المطبخ الألماني والإيطالي والآسيوي والمكسيكي. فالفلافل باتت تُقدَّم اليوم في السوق الألماني كخيار نباتي غني بالبروتين، ومتناسق مع تزايد الإقبال على الأنظمة الغذائية النباتية. أما الكسكس فقد أصبح يُسوَّق كبديل سريع التحضير وصحي نسبياً مقارنة بالأرز أو المعكرونة. في حين لم يعد الحمص طبقاً غريباً، بل تحول إلى جزء مألوف من الخيارات اليومية لدى شريحة متزايدة من المستهلكين. وهو ما ينعكس في تنوع نكهاته وتوفره في معظم المتاجر الكبرى.

الحمص

Amal, Frankfurt

السوق يتبع التحولات الديموغرافية

لا يمكن فصل زخامة حضور الأغذية العربية في السوق الألمانية عن التحولات الديموغرافية التي شهدتها ألمانيا خلال العقد الأخير. إذ أسهمت موجات الهجرة واللجوء بعد عام 2015، خصوصاً من سوريا والعراق وأفغانستان، في خلق طلب مباشر على مكونات المطبخ العربي والشرقي. في الوقت نفسه، لم يقتصر توسع سوق هذه الأغذية على تلبية احتياجات الجاليات العربية والمسلمة فقط. بل امتد ليشمل مستهلكين ألماناً مهتمين بتجربة النكهات العالمية. ويُقدَّر نمو سوق الأغذية العرقية (أي سوق الأطعمة المرتبطة بمطابخ وثقافات مناطق أخرى) في ألمانيا بنحو 7 إلى 8% سنوياً. وهذا ما يجعل قرار عرض منتج معين داخل المتاجر الكبرى مرتبطاً أساساً ببيانات المبيعات وحركة الطلب، أكثر من ارتباطه بالبعد الثقافي أو الرمزي للمنتج. لذلك فإن تخصيص مساحة ثابتة للمنتجات العربية داخل المتجر يعني ببساطة أن هذه السلع تحقق دوراناً منتظماَ في المخزون وتجد طلباً متكرراً من المستهلكين.

الحمص

Amal, Frankfurt

الطعام العربي وجد مكانه

قد يبدو الحديث عن رفوف الطعام العربي في المحال الألمانية تفصيلاً عابراً. لكنه في عمقه يشبه خيطاً ناعماً يصل بين ذاكرة الهجرة وملامح الحياة اليومية. فوجود الأغذية العربية على أرفف المتاجر الكبرى، لم يعد مجرد استجابة لوجود جاليات مهاجرة. بل صار علامة على تحوّل هادئ في ذائقة المجتمع، حيث تختلط النكهات كما تختلط الحكايات في المدن الحديثة. هناك، بين عبوة الحمص وكيس الكسكس، لا يبدو الطعام غريباً ولا وافداً، بل كأنه وجد مكانه الطبيعي في رحلة طويلة عبر الحدود والأسواق والوجوه. وفي هذا المشهد، يتحول الاستهلاك إلى لغة غير مكتوبة تحكي عن مجتمع يتعلم أن يتسع للآخر، وأن يترك للأطعمة أيضاً فرصة أن تصبح جزءاً من ذاكرة المكان.

Amal, Hamburg!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.