فيلم “كان يا ما كان في غزة” حكاية الأحلام المحاصرة Foto: immergutefilme
11. فبراير 2026

فيلم “كان يا ما كان في غزة” حكاية الأحلام المحاصرة

في غزة، يكفي أن تحلم لتكون مُذنباً هكذا يبدو فيلم “كان يا ما كان في غزة”، ليس بوصفه حكاية سينمائية فقط، بل بوصفه شهادة إنسانية عن مدينة عالقة بين زمنين، وبين سلطات متعاقبة، وبين رصاصة عبثية تقتل أحلام الناس فيها.
الفيلم يعود بنا إلى مرحلة مفصلية من تاريخ غزة، تلك المنطقة الرمادية الممتدة من ما قبل الحصار، مروراً بحصارِ غزة، وصولاً إلى ما بعد سيطرة حماس على القطاع. لكن المخرجين طرزان وعرب ناصر لا يتعاملان مع هذه التحولات بوصفها عناوين سياسية صاخبة، بل كأثقالٍ تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في غزة.
يضع فيلم “كان يا ما كان في غزة” المشاهد أمام سؤال بسيط وقاسٍ، ماذا يعني أن تحلم في مكانٍ محاصر؟ من خلال حكاية إنسانية، تجمع بين ثلاث شخصيات، يحيى، أسامة وأبو سامي. لكلٍ منهما حلمه الخاص، لكن أحلامهم تشترك في حقيقة واحدة، أنها ضحية واقع قاسٍ فرضه الاحتلال على غزة، واقع اسمه الحصار.

فيلم كان يا ما كان في غزة في برلين

فيلم كان يا ما كان في غزة في برلين

ثلاثة ضحايا .. نتاج الحصار الإسرائيلي

في قلب الحكاية يقف يحيى، شاب غزي بسيط، لا يحمل مشروعاً ثورياً ولا خطاباً كبيراً، بل حلماً بديهياً، يتمثل بكل بساطة في أن يخرج من غزة. في أحد أكثر مشاهد الفيلم وجعاً، يمضي يحيى ليسأل عن اسمه في كشوفات المسافرين، فتأتيه الإجابة بأن اسمه غير موجود، فيسأل ببراءة: كيف يعني أسمي مش طالع؟ فيكون الرد “مرفوض أمنياً من الجانب الإسرائيلي” يحاول أن يجد منطقاً لما سمع، فيقول بأن ليس لديه أي مشاكل أمنية، ولا يملك سجلاً أمنياً حتى. لكن الرد يأتي خالياً من أي تفسير: “ليس بالضرورة أن تكون هناك مشاكل أمنية لديك، فالأمر يخضع لمزاج الجانب الإسرائيلي وهو مَن يقرر من يعبر إلى خارج غزة ومن يبقى فيها.

إلى جانب يحيى، تتقاطع حكاية أسامة، الصديق الذي لم يكن يبحث عن مستنقع المخدرات، لكنه انجرف إليه تحت ضغط واقع محاصر لا يترك أي مساحة آمنة للاختيار. أسامة ليس شريراً، بل شاب آخر حاصرته الظروف، دفعته إلى طرق لم يرغب بها، قبل أن تنتهي حياته برصاصةٍ عبثية أطلقها شرطي فاسد في غزة، يُدعى “أبو سامي”

مقتل أسامة شكّل نقطة تحول في مسار يحيى، الذي شهد وفاة صديقه بعينيه والذي يجد نفسه مدفوعاً نحو الانتقام، لا بدافع البطولة، بل كرد فعل إنساني على خسارة لا تُحتمل. يُقدم الفيلم انتقام يحيى لصديقة أسامة كنتاجٍ طبيعي لواقع مسدود وحصار لا ينتهي في غزة.

حتى الشرطي الفاسد “أبو سامي”، هو ضحية هذا الحصار المستمر على قطاع غزة. فالحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة لم يشوه الحياة فحسب، بل شوه مَنْ في غزة أيضاً، وحوّلهم إلى أدوات لممارسة الظلم. في هذا الواقع القاسي، يصبح كل فرد محاصر، حتى أولئك الذين يظهرون في الظاهر كسلطة أو قوة كأبو سامي، فهم في العمق ضحايا الحصار الذي أوقعته إسرائيل على غزة.

فيلم كان يا ما كان في غزة في برلين

فيلم كان يا ما كان في غزة في برلين

المشهد الأخير… حين يصبح تحقيق الأحلام موتاً

في لحظة بدا أن الحياة تبتسم ليحيى قليلاً، اختير للمشاركة كممثل في فيلم “ثائر” الذي يُجسد قصة شهيد فلسطيني في غزة. كان هذا الدور بمثابة فرصة صغيرة للخروج من دوامة الواقع القاتم، فرصة ليشعر أن الحلم يمكن أن يجد طريقه، ولو للحظة بسيطة، أن يكون جزءاً من قصة تُروى، وأن يعيش حياة تتجاوز القيود المفروضة عليه بسبب الحصار.

فالمفارقة قاسية، شاب يمثل دور الشهيد، في مدينة تصنع الشهداء بلا تمثيل. لكن الذروة الأكثر قسوة تأتي في نهاية الفيلم، خلال التصوير كان الممثلون يقومون بدور الجيش الإسرائيلي، وأُطلقت الرصاصات بشكل تمثيلي لتصوير المواجهة بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي. لكن الرصاصة التي لم تكن مفترضة تحولت إلى حقيقة، فاصطدمت بيحيى، لتنهي حياته فجأة، ليس لأنه كان يقاتل، بل لأنه وجد نفسه في المكان الخطأ، في لحظة لم يكن له فيها أي خيار.

يموت يحيى شهيداً، لا كما أراد، بل كما تُكتب النهايات في غزة، فجأة وبلا أي مقدمات. هنا يكتمل معنى العنوان “كان يا ما كان في غزة” ، ليست حكاية تُروى للنهاية، بل قصة تُقطع دائماً في منتصفها، تاركة أثراً من الأسى والواقع القاسي الذي يفرضه الحصار.

الحصار الذي ابتلع أحلام أبناء غزة

فغزة، مثلها مثل أي مكان في العالم، مدينة مليئة بالطموح والأحلام. شُبّان يحلمون بالسفر، بالحياة، بمستقبلٍ لا تُقاس حدوده بالمعابر. لكن هذا العالم الصغير المُسمى “غزة” فُرض عليه واقع آخر، واقع تشكل مع بداية الحصار المفروض على قطاع غزة عام 2007، حصار لم يقف عند حدود الجغرافيا، بل أعاد تشكيل حياة الناس في غزة، وضيق على أحلامهم حتى باتت عبئاً على أصحابها.
الفيلم لا يدّعي تقديم إجابات، ولا يوزّع الاتهامات بخطاب مباشر، لكنه ينجح في شيء أعمق؛ أن يجعل المشاهد يرى غزة كما هي، وأن يرى الناس كما هم.
“كان يا ما كان في غزة” فيلم عن الإنسان الغزي، الذي وجد نفسه مُجبراً على أن يعيش حياة لم يخطط لها، وأن يموت أحياناً، لأنه فقط وُلد وعاش في هذه البقعة الجغرافية من العالم.

الفيلم في صالات السينما الألمانية

من المقرر أن يُعرض فيلم “كان يا ما كان في غزة” في برلين غداً الخميس 12 فبراير 2026 سيُعرض الفيلم في داري السينما Lichtblick Kino وSputnik Kino، أما يوم الجمعة 13 فبراير فسيكون العرض في Sputnik Kino فقط، ويوم السبت 14 فبراير في Lichtblick Kino. ابتداءً من الأحد 15 فبراير وحتى الأربعاء 18 فبراير، ستستمر العروض في نفس دور السينما.

ريتا محليس

Amal, Hamburg!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.