أثار قرار السياسية الألمانية سارة فاغنكنيخت التنحي عن رئاسة حزبها Bündnis Sahra Wagenknecht (BSW) جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية في ألمانيا.
الخطوة، التي وصفتها صحيفة taz اليسارية بعنوان لافت: “استسلمت فاغنكنيخت أسرع من أوكرانيا”، جاءت بعد نحو عامين فقط على تأسيس الحزب الذي حمل اسمها. بينما رأت وسائل إعلام أخرى أن القرار يمثل نهاية الزخم السياسي لشخصية أثارت الجدل داخل اليسار الألماني لسنوات.
عنوان taz المثير: استسلام أم نقد للخطاب السياسي؟
استخدام taz لكلمة “kapituliert” (استسلمت) لا يعتبر جريئاً فحسب، بل يعكس نظرة ساخرة من فاغنكنيخت. السياسية التي عرفها الجميع بمواقفها المناهضة للحروب الغربية وبانتقاداتها الحادة لدعم أوكرانيا بالسلاح. لكنه يطرح سؤالاً أبعد من الخبر نفسه: ماذا يعني أن تتخلى زعيمة سياسية، بإرادتها، عن كيان أسسته باسمها؟ وهذا الأمر يعتبر سابقة نادرة في عالم لا يتنازل فيه الزعماء عن مواقعهم إلا مكرهين.
صحف ألمانية: بين المفاجأة والتحليل
في تغطيتها للحدث، كتبت صحيفة Die Welt أن الحزب سيغيّر اسمه في مؤتمره المقبل بمدينة ماغديبورغ. ليتحوّل إلى “تحالف العدالة الاجتماعية والعقلانية الاقتصادية” مع الإبقاء على اختصار BSW.
وأضافت أن القرار “يعبّر عن محاولة إعادة تموضع” بعد تراجع التأييد الشعبي للحزب إلى نحو 3–4% فقط على المستوى الوطني.
أما Der Spiegel فقد وصفت الخطوة بأنها “تغيير في الشكل لا في المضمون”. وأشارت إلى أن فاغنكنيخت ستحتفظ بمقعدها في البرلمان وبدورها في المجلس التنفيذي للحزب، ما يجعل تأثيرها “قائماً من الصف الثاني”.
وفي المقابل، رأت صحيفة Politico Europe أن التنحي يعكس “نهاية مرحلة الزعامة الفردية” في الحزب، لكنها شكّكت في قدرة القيادات الجديدة، فابيو دي ماسي وأميرة محمد علي، على الحفاظ على وحدة الصف.
من القيادة إلى الظل: دور جديد داخل الحزب
بحسب تصريحاتها في المؤتمر الصحفي، أكدت فاغنكنيخت أنها لن تغادر السياسة، بل ستقود لجنة “القيم الأساسية” في الحزب.
وقالت إنها “تريد أن تُعيد للحزب روحه الأصلية”، دون الإفصاح عن تفاصيل الأعضاء أو اختصاص اللجنة. لكن هذه الخطوة، وفق Frankfurter Allgemeine Zeitung، تُظهر أن “الزعيمة السابقة تحاول الاحتفاظ بتأثيرها الفكري حتى وهي خارج المنصب التنفيذي”.
تراجع في الشعبية.. وملامح غموض
ورغم أن الحزب ما يزال يتمتع بثقل في شرق ألمانيا، وخاصة في ولايتي تورينغن وبراندنبورغ حيث يشارك في الحكومتين المحليتين، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع واضح على المستوى الاتحادي. فبعدما كان قريباً جداً من دخول البرلمان في انتخابات 2025 (بفارق أقل من عشرة آلاف صوت)، تراجعت نسب تأييده بشكل حاد. ويرى بعض المراقبين أن الحزب فقد جاذبيته بعد تراجع الزعيمة التي كانت تمثل وجهه الإعلامي الأقوى.
إرث فاغنكنيخت ومستقبل BSW
قد يكون تنحي فاغنكنيخت لحظة نهاية رمزية لعصر من الخطاب اليساري الشعبوي في ألمانيا. فالحزب الذي نشأ من شخصيتها سيكون تحت الاختبار الآن حول قدرته على الحياة دونها. أما هي، فبخروجها من الواجهة، تثبت أنها ما تزال تمسك بخيوط اللعبة، ولكن من وراء الستار.
ويبقى السؤال المفتوح: هل يشكّل هذا التحوّل بداية انطفاء، أو مجرد فصل جديد في رواية سياسية لم تكتب نهايتها بعد؟
المصدر باللغة الألمانية هنا
