في الوقت الذي يدرس فيه أكثر من 250 ألف طفل وشاب سوري في المدارس العامة والمهنية بألمانيا، يلوح في الأفق نقاش سياسي حساس حول العودة المحتملة للاجئين إلى سوريا. كثير من هؤلاء الشباب نشأوا في ألمانيا، وبعضهم ولد فيها، وتكوّن لديهم طموح مهني واضح في مجالات مثل الطب والحرف اليدوية والتمريض، لكن مستقبلهم أصبح اليوم رهينة القرار السياسي بشأن العودة إلى وطن دمرته الحرب. تشير تحذيرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف إلى أن العودة المبكرة قد تعني انتكاسة إنسانية للأطفال والشباب الذين وجدوا في ألمانيا أملاً بمستقبل مستقر، وسط واقع سوري ما زال يعاني من الدمار والجوع والألغام والضغوط النفسية.
الواقع المأساوي في سوريا
تحذر اليونيسف من مخاطر العودة المتسرعة، مشيرة إلى أن الوضع في المدن السورية مثل حمص وحماة وحلب لا يزال هشاُ للغاية. وأوضح المدير التنفيذي للمنظمة كريستيان شنايدر، أن ملايين الأطفال يعيشون في بيئة غير مستقرة، حيث تتعاقب حالات الطوارئ منذ سنوات الحرب. العديد من الأحياء مدمرة، والمنازل صالحة للسكن بشكل جزئي أو معدوم، والألغام والذخائر غير المنفجرة تهدد حياة الأطفال يومياَ.
منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، لقي أكثر من 150 طفلاً حتفهم وأصيب المئات، بينما يحتاج أكثر من سبعة ملايين طفل إلى مساعدات إنسانية، ويبلغ عدد الأطفال خارج المدارس 2.5 مليون. بالإضافة إلى ذلك، تواجه المدارس أزمة كبيرة، حيث يحتاج حوالي 40% من المباني التعليمية، أي نحو 8 آلاف مدرسة إلى إعادة بناء أو ترميم. إلى جانب الدمار المادي، يعاني الأطفال من سوء التغذية وضغوط نفسية شديدة. يقول شنايدر: “الأطفال يمثلون جيلًا من الأمل، لكنه هش للغاية”.
العودة إلى بلد بلا ضمانات مستقبلية
رغم الدمار، عاد أكثر من مليون لاجئ من الأردن ولبنان وتركيا منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، بالإضافة إلى نحو مليوني نازح داخلي، إلا أن الواقع لم يشهد استقراراً، النقص في المساكن، والمياه، والكهرباء، والوظائف، والرعاية الطبية يجعل من العودة خياراً محفوفاً بالمخاطر، مما يثير قلق اليونيسف من أن يعيش أكثر من ثلث السكان في فقر مدقع بحلول نهاية العام.
انتقادات واسعة طالت الحكومة الألمانية
في هذا السياق، أثار إعلان الحكومة الألمانية، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، بأنه “لم تعد هناك أسباب للجوء” انتقادات واسعة، إذ يعتمد على عودة السوريين طوعاً لإعادة بناء بلادهم، مع تهديد بترحيل من يرفض. من جانبه، أعلن وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت (CSU) أنه سيبدأ بإعادة السوريين، لاحقا يشمل أشخاصاً بلا حق إقامة، بينما حذر وزير الخارجية يوهان فاديفول من أن الوضع في سوريا لا يزال هشاً جداً.
الاندماج في المجتمع الألماني
يعيش نحو 951 ألف سوري في ألمانيا حالياً، وقد اندمج كثير منهم في المجتمع والعمل. أكثر من 300 ألف سوري يعملون، خاصة في القطاعات التي تعاني من نقص اليد العاملة المؤهلة، مثل الرعاية والخدمات اللوجستية والصحة. وفقاً للجمعية الطبية الألمانية، يعمل أكثر من 7 آلاف طبيب سوري في ألمانيا. واحد من كل أربعة مواطنين جدد في 2024 له جذور سورية، وهو ما يعكس نجاح برامج الاندماج في سوق العمل.
كما تشير إحصاءات معهد أبحاث التوظيف إلى أن نسبة السوريين الباحثين عن عمل وصلت إلى 61% بعد سبع سنوات من وصولهم، وهو معدل مميز على المستوى الدولي. رغم ذلك، لا يزال نحو 518 ألف سوري يتلقون مساعدات اجتماعية، بما في ذلك العديد من الأطفال، ما يوضح أن التدريب واللغة يلعبان دوراً محورياً في اندماجهم المهني.
