Foto: Haifaa Atfeh
12. يونيو 2022

اسمي الذي نسيته في ألمانيا!

قدمت إلى المانيا من مجتمع ينتزع منك خصوصيتك -بما فيها اسمك – لصالح العائلة والقبيلة! فكوني قادمة من مجتمع شرقي يستخدم سلطة الذكورة وسوط الدين والعادات لجلد المرأة، ووضعها في قفص العائلة المحكم وقيود سمعتها التي تُشعر المرأة كأنها خلقت لهدف واحد هو حماية لقب العائلة دون اختيار.

ليست مشكلتي في اللقب، لكنها في استخدامه كأداة لقمع حريتي ومصادرة حقوقي. لقد تمردت على تلك القيود، عندما شعرت أنها تتنافى مع الإنسانية وكرامة الفرد وخصوصيته. رغم إقامتي في ألمانيا إحدى أرقى دول العالم المتحضر، إلا أنه خلافا لرغبتي بأن أسمع اسمي الأول عندما يناديني أحدهم، لا يزال لقبي وحده هو الذي يرن في مسامعي!

الأسباب مختلفة في المانيا، فمناداتك باسمك الأول يحدث فقط في اطار ضيق محصورا بالأصدقاء والمقربين، ما عدا ذلك فإنه يعتبر تجاوز غير مقبول. أما أنا فأشعر بسعادة تشبه فرحة طفل عند مناداتي باسم (سماح) أو سموحة، فهو اسم المحبة والدلال الذي ينعش روحي، كموسيقى بأحب الأصوات إلى قلبي.

عندما كنت في اليمن كان أكثر ما يستفزني تلك الجملة الاستنكارية تحديدا “هل تعرفي بنت من أنت”! كانت تلك الجملة تنتزع ذات سماح بداخلي، وتستبدلها بذات قبيلة/ أسرتي ذائعة الصيت وسط اليمن. تلك الجملة التي كانت تجلد مسامعي كالسّوط، سمعتها كثيرا من أفراد الأسرة وغيرهم، عند الاعتراض على تصرف معين كنت اعتبره حقا، وهم يرونه من وجهة نظرهم مساسا بتقاليد الأسرة والقبيلة.

كما حدث في مواقف متعددة، مثلا عندما خلعت النقاب عن وجهي أو عند استضافتي بأي برنامج تلفزيوني، وحين أصدرت ديواني الشعري الأول. وعندما أعلنت رغبتي بالدراسة في كلية الإعلام. كل هذه الأحلام والحقوق اعتبرت إساءة للقب أسرتي لأني تجاوزت بها حدود الأعراف والتقاليد القبلية التي تضع المرأة في قالب معين لا يجوز لها الخروج عنه.

هذه القيود لم تكن مفروضة فقط من العائلة، بل أيضا من المجتمع الذي يحاصرك بلقب العائلة والقبيلة، ليشكل قيد إضافيا لعبودية المرأة وحدها هي من تراه وتعيشه. فمثلا عندما تجاوزت موكب الرئيس الأسبق في 2010، وطلبت مني حراسته الشخصية الابتعاد عن الطريق بأسلوب متعالي وفج، فرفضت ذلك، لاحقتني حراسته واقتادتني لقسم الشرطة بتهمة (محاولة اغتيال رئيس الجمهورية)! ورغم تدخل شخصيات نافذة بالدولة ووزراء، إلا أن لقب عائلتي هو من كفلني، وبسببه لم يتم ايداعي في السجن على أن أعود اليوم الثاني لاستكمال التحقيق. للحد الذي دفع وزير الداخلية للاتصال بي شخصيا ليقول: “هل تعرفي بنت من أنت، ومن هم أهلك”! وبرغم أن تحويل التهمة إلى سياسية، وأنا بريئة منها، إلا أن لقب عائلتي كان له دور كبير في إخراجي من هذه الورطة.

رغم المميزات الاجتماعية التي منحها لي لقب عائلتي، إلا أنها كانت بمثابة صخرة. قد يحمل المرء صخرة على ظهره، أما أنا فكنت أحمل صخرتين: اسم أسرة والدي وأسرة والدتي، وكم هو صعب أن تحمل صخرتين على ظهرك حتى في منامك. المخيف أن المجتمع اليمني ينتكس في علاقته بالمرأة مع مرور الزمن، بعكس منطق التطور. فالبلد الذي حكمته النساء ويتداول أبناء جيله حتى اللحظة أبيات لشاعرة القبلية غزال المقدشي، التي توفيت قبل قرابة 200 سنة. إلا أنه عند طباعة كتابي الأول اعترض أحد أفراد الأسرة على وضع اسمي العائلي في غلاف كتابي الأول! على اعتبار أن ذلك معيب وعار يلحق بالاسم العائلي، وعندما رفضت طلبه وصفني بـ”الوقحة”، حينها شعرت أن الصخرة زاد وزنها على ظهري!

في إحدى المرات كنت أناقش صديقتي الألمانية أرينا عن رغبتي في أن أسمع اسمي الأول في ألمانيا، فأخبرتني بما حدث لها عندما حضرت إحدى الصديقات اليمنيات لتهنئتها عند حصولها على درجة الدكتوراه، فنادتها باسمها الأول دكتورة (أرينا)، لتتلفت أرينا يمينا وشمالا بحثا عن الشخص المقصود، ولم تنتبه أنها المقصودة! لأنها اعتادت على سماع لقبها أكثر من اسمها.

لاحظت أرينا حنيني لاسمي الأول، وأني كدت أنساه في ألمانيا لقلة سماعه، وعندما زرتها بمكتبها العائد لرسام روسي، طلبت منه ترجمة اسم (سموحة) باللغة الروسية لتناديني به، وكانت النتيجة (سمهشكا)، لكن وقعه أنعش روحي كسموحة تماما.

الأسماء روح وليست مجرد كلمات.. هذا حقي الذي صادرته الأعراف والتقاليد القبلية، كما غيبه برستيج الألمان!

s