18. أبريل 2022

حمادة إسماعيل.. مهندس الحاسوب وصانع الحلويات!

قبل خمسة عقود، ولد حمادة إسماعيل في سوريا، وعاش حياته بدمشق، وكما حملت أسرته معها نكهة الكنافة النابلسية من فلسطين، حملت له المقادير أسباب وحروب أخرى أخرجته من سوريا التي كانت ملاذا آمنا مفترضا له كفلسطيني، قبل أن تتحول سوريا إلى بلد غير مستقر بدورها!

الحلواني المهندس

حصوله على شهادة في هندسة الحاسوب، لم تغير مسار العمل التقليدي للعائلة إلا عامين اثنين، عاد بعدهما للعمل بمجال عمل والده الذي لديه محلات عريقة وشهيرة لعمل الأجبان والألبان والحلويات في مخيم اليرموك.

عام 2004، بعد بلوغه سن الـ30 عاما، قرر حمادة الاستقلال بالعمل، وافتتح معملا لصناعة الألبان والأجبان، بعيدا عن محلات والده، إلا أن ذلك لم يستمر كثيرا، فقد اضطرته الأوضاع في سوريا إلى مغادرتها مع زوجته وأبنائه الأربعة، في رحلة طويلة ومنهكة إلى ألمانيا.

الخطوات الأولى

حمادة إسماعيل

في 2013 استقر حمادة بمنطقة هامبروغ، ليمر بمرحلة صعبة بكل المقاييس من حيث اللغة والثقافة والمعاملات اللازمة للحصول على الإقامة، فبينما يفترض برجل في سن الـ40 أن يكون قد وصل مرحلة استقرار بمسيرة حياته، وجد حمادة نفسه يبدأ من الصفر، بعد أن كان مستقلا ومستقرا ماليا وعمليا في سوريا، إنها تجربة قاسية، لا تتجاوزها إلا إرادة استثنائية كما هي إرادته. عاش حمادة وأسرته في سكن مشترك (هايم)، بما يعنيه ذلك من ضيق هامش الخصوصية، في ظل بطئ وتعقيد إجراءات اللجوء حينها، قبل أن تتيسر مع مرحلة اللجوء الأوسع للسوريين في 2015.

حصل حمادة أخيرا على منزل مستقل، وفر للأسرة جوها العائلي المستقل كنقطة بداية ساعدته على الذهاب لدراسة اللغة واستخراج رخصة قيادة، كانت خطوة مهمة له لاستكشاف ألمانيا كبيئة عمل، لا يمكن استكشافها عبر المواصلات العامة، فهو يريد اختيار مقرًا لمشروعه في منطقة مناسبة.

الجبنة في مواجهة النابلسية!

لإعداد نفسه للعمل في ألمانيا، بلد لها متطلبات غير يسيرة للانخراط بسوق العمل مقارنة مع سوريا، التحق حمادة بدورات للمراسلات والأعمال الإدارية، وخلال بحثه عن مكان مناسب للبدء في صناعة الألبان والأجبان، لم يجد فرصة للتأهيل بهذا المجال إلا في مدينة لوبيك، حيث يضطر لقطع مسافة 140 كيلومتر من مقر سكنه إلى الكلية التي ستوفر له التدريب.

أعجب مدرس كلية الزراعة هناك بعينة الجبنة التي صنعها حمادة كدليل على إجادته لصنعته، بحكم خبرته السابقة فيها، لكن المسافة عقدت الأمر، بل دفعت حماد للانتقال إلى القسم الآخر من خبرته التي تعلمها من والده، لقد أصبحت الكنافة النابلسية خياره الوحيد.

يا محاسن الصدف!

استغرق البحث عن محل مستقل ينطلق منه حمادة في رحلة عمله الجديدة عاما كاملا، فالشروط التي تضعها الشركات لم تكن سهلة على قادم جديد دون رصيد خبرة سابق في العمل بنفس البلد، فهو يحتاج لرصيد بنكي للتأمين اللازم، ويحتاج أيضا لدراسة دقيقة للسوق، لاختيار صنف الحلويات الذي يمكنه به دخول السوق دون خسائر، حتى يقف على قدميه. من حسن حظه، حصل أخيرا على متجر مجهز للحلويات، فعقد اتفاقا مع الشخص المسؤول عنه لدفع قيمة الأدوات بالتقسيط، وبدأ صناعة المعجنات بكميات قليلة، مع اضطراره للعمل مع زوجته لعدم قدرته على توظيف عامل مساعد.

تطور العمل والانتاج

كان حمادة يعمل لمدة 16 ساعة يوميا، اعتبارا من السادسة صباحا، وتساعده زوجته لمدة عشر ساعات منها، قبل أن تعود لاستقبال أطفالها العائدين ن من مداسهم عند الرابعة عصرا. خلال ثمانية أشهر فقط، استطاع حمادة تمكين اسمه التجاري، بحكم إجادته صناعة المعجنات والحلويات، بطريقة وسعت دائرة زبائنه بمرور الوقت، وتمكن أخيرا من تحمل أجرة عامل مساعد بالمحل، ثم عامل آخر قبل نهاية العام الأول من العمل، وضمان عدد من العملاء يوفرون قدرا آمنا لاستقراره المالي.

سليل أسرة صانعة للحلويات كحمادة، لا يؤمن بالحلويات المستوردة، فهو يفضلها طازجة، ويريد توفيرها بهذه الشروط وبأسعار مقبولة لعملائه، ولديه طموح لتوسيع دائرة انتاجه لتشمل مختلف الولايات الألمانية، لكنه لم يحصل على محل في برلين كما خطط، وبدلا من ذلك افتتح معملا قريبا من محله، ليصبح المتجر الأصلي مخصصا للبيع فقط.

كورونا وتحدياته!

أمام هذه الانفراجة في عمل حمادة، جاءت كورونا لتغير المعادلة من النمو المتصاعد للهبوط المفاجئ بكمية الطلبات والمبيعات بدرجة النصف عن المعدل الطبيعي، ما اضطره لتقليص الإنتاج وساعات العمل توفيرا للنفقات، وأصبح الاعتماد على الطلبات الهاتفية أسلوبا بديلا للعمل.

بتراجع الإجراءات الاحترازية المرافقة لكورونا، تصاعدت وتيرة عمل حمادة مجددا، ليصبح رواد متجره من كل الجنسيات، حتى الألمان الذين يفضلون طريقته لإعداد حلويات خفيفة السكريات، ومطعمة بالمكسرات.

ترك حمادة هندسة الحاسوب، وفضل هندسة أخرى ورثها عن عائلته، ولم يتعلمها بالمدارس أو الجامعات، لكنه اصبح معلما فيها وبتحقيق الأهداف رغم بيئة الحياة المختلفة والجديدة كليا أيضا.

  • إعداد وتصوير: سماح الشغدري
    شاعرة وصحفية من اليمن
s