Foto: Ferhan Erdin
4. أبريل 2022

حمى البحر المتوسط العائلية.. رحلة أكرم الطويلة حتى التشخيص!

يبلغ أكرم الحمصي من العمر 24 عامًا، يعيش بالقرب من دوسلدورف ويتدرب ليصبح أخصائي مساج وعلاج طبيعي. وُلد الحمصي في سوريا ولجأ إلى ألمانيا مع عائلته عام 2014. إلى جانب بعض ذكريات الحرب المروعة في سوريا، كان يعاني أيضًا من حمى متكررة وألم شديد بالبطن والمفاصل منذ الطفولة.

يعاني الحمصي من حمى البحر المتوسط العائلية (FMF)، وهي مرض وراثي نادرًا ما يظهر في ألمانيا، ويُصيب بالمقام الأول سكان منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك بعض البلدان الناطقة باللغة العربية. غالبًا ما تظل حمى البحر المتوسط العائلية دون تشخيص أو – كما هو الحال في حالة أكرم – يتم التشخيص في وقت متأخر جدًا! إذ أن الأعراض النمطية لحمى البحر المتوسط العائلية تشبه أعراض العدوى الشائعة، وغالبًا ما يظهر المرض لأول مرة لدى الأطفال. وهنا يخبرنا الحمصي عن حالته المرضية..

متى وكيف ظهرت الأعراض الأولى لحمى البحر المتوسط العائلية؟

لقد لاحظتُ عندما كنت طفلًا أنّ هناك خطب ما. وغالبًا ما كنت أصاب بنوبات من الحمى والألم الشديد دون معرفة السبب. ونظرًا لأن أختي كانت مصابة بحمى البحر المتوسط العائلية، كان يشتبه بإصابتي أيضًا، حيث يكون المرض موروثًا معظم الحالات. ومع ذلك، لم يتمكن طبيبي من التحقق من تشخيص حمى البحر المتوسط العائلية، لذا لم يأخذ أحد ألمي على محمل الجد. كنت متهمًا بمحاولة التهرب من المدرسة.

في مرحلة ما، اضطررت أنا وأسرتي إلى مغادرة وطننا والهروب من الحرب، أولًا إلى لبنان. كان عمري حينها 15 عامًا، وكان عليّ العمل لمدة تصل إلى 18 ساعة يوميًا في أعمال المطعم دون الحصول على فترات راحة حقيقية أو أيام إجازة. لقد كان الألم لا يُحتمل – فقد تعرضت للإغماء أحيانًا. نُقِلتُ إلى المستشفى، وحصلت على مسكنات للألم واضطررت لمواصلة العمل.

وصلتَ ألمانيا مع عائلتك عام 2014، ماذا حدث بعد ذلك؟

استمرت نوبات الحمى والألم بالطبع، ولكن في ألمانيا أيضًا، قال الأطباء أنه لا توجد علة بي وأنني فقط كنت أتخيل الأشياء! شُخّصت أول نوبة حمى شديدة لدي على أنها اضطراب *(الكرب التالي للرضح). أُدخِلت بعد ذلك إلى قسم الطب النفسي للمراهقين، والذي كان ضروريًا بالنظر إلى الماضي، لكن لم تكن الصدمة لدي السبب في الألم؛ بل استمرت حتى عندما تحسنت نفسيًا.

وكيف اكتشفتَ أخيرًا أنك تعاني من حمى البحر المتوسط العائلية؟

أراد والدايّ المساعدة، لكن للأسف لم يكن بوسعهما فهم ما يحدث معي بصورة كاملة. أدركتُ أنه كان عليّ أن أبحث سبب الحمى والألم بمفردي. دوّنتُ أعراضي بالضبط كما هي قدر الإمكان كل يوم. التقيت أيضًا بعائلة ألمانية في أواخر عام 2016 ساعدتني في البحث عبر الإنترنت، وقمنا بإعداد قائمة مختصرة بثلاثة أمراض تطابق الأعراض التي أعاني منها. ومن هذه الأمراض حمى البحر المتوسط العائلية. ثم أخذنا هذه القائمة إلى الطبيب العام المتابع للعائلة، حيث بدأت الخطوة الأولى من مرحلة طويلة من العلاج من طبيب إلى آخر. وقد أدى بي ذلك في النهاية إلى طبيب روماتيزم كان متخصصًا أيضًا في أمراض الالتهاب الذاتي النادرة. بعد ذلك، تلقيت علاجًا محددًا ومستهدفًا لمرضي لأول مرة.

كيف غيّر ذلك وضعك؟

شعر بعض الأشخاص الذين ناقشت معهم تشخيصي بالأسى تجاهي – لكنني كنت فقط سعيدًا بمعرفة العلّة التي أعاني منها بالنهاية! أنا أفضل كثيرًا الآن: تمكنتُ من إكمال شهادتي في المدرسة الثانوية وأتدرب حاليًا لأصبح أخصائي علاج طبيعي.. أنا ببساطة ممتن لذلك.

ما النصائح التي توجهها للأشخاص الذين يبحثون عن المساعدة في موقف مشابه؟

أولًا، لأي شخص لا يعرف العلّة التي يعاني منها، أود أن أوكّد على ما يلي: استمع إلى جسدك! الألم الشديد على مدار فترة زمنية طويلة له سبب أساسي. من المهم ملاحظة وتوثيق توقيت الأعراض التي تعاني منها ومعدل تكرارها. هذه هي الطريقة الوحيدة لتزويد طبيبك بمعلومات مفصلة وأن تتم إحالتك إلى اختصاصي على نحو مثالي.

ثانيًا، من المهم البحث عن التشخيص والعلاج المناسب حتى العثور عليه. يمكنك الاستفادة من الإنترنت وبوابات المعلومات، ويجب ألا يثبطك أي شخص لا يأخذ معاناتك على محمل الجد. من الأفضل التوجه إلى أولئك الذين ينصتون ويقدمون الدعم. يمكنك أن تطلب من الأطباء إحالتك إلى اختصاصي أو يمكنك البحث عنه مباشرة. عندما تعرف السبب الحقيقي لأعراضك، يمكنك أن تفعل شيئًا حيالها قبل أن يتسبب المرض بعواقب خطيرة طويلة المدى. على الرغم من أنه يعدّ مرضًا نادرًا، لا تستبعد حمى البحر المتوسط العائلية إذا كانت أعراضك مشابهة لأعراضي، وإذا كنت من العالم الناطق باللغة العربية، أو لديك أقارب هناك.

وأخيرًا، من المهم تقبّل المرض! فنحن لا نختار مشكلاتنا الصحية وأحيانًا نكون ضحايا لظروف لا نتحكم فيها على الإطلاق. لقد تعلمت أن أركز على إيجاد أفضل طريقة للمضي قدمًا بالتعامل مع مرضي وعيش حياتي بالكامل، وسأستمر في القيام بذلك.

  • إعداد وحوار: Ferhan Erdin

*الكرب التالي للرضح (PTSD) حالة صحية عقلية يستثيرها حدث مخيف!

s