Photo: Amloud Alamir
21. مارس 2022

أمي ومخاوفها في برلين!

طلبتُ من أمي أن تستقل الباص وحدها لنلتقي في منتصف المسافة، أخبرتها أن الوقت يداهمني وعليها مساعدتي! على مضض وافقت.. لدى أمي رُهاب الضياع في المدن الكبيرة، بالرغم من أنها كانت مديرة لمدرسة وتتمتع بكامل لياقتها الفكرية، لكنها بقيت تخاف! لم أستطع سابقاً أن أجعلها تقوم بذلك بنفسها، وغالباً ترفض أو تتحجج بالتعب أوأنها لم تعد ترغب بالخروج، وهكذا..

من منا لم يعش مثل تلك المخاوف أول وصولنا إلى هذه البلاد! بالنسبة لي في السنوات الأولى كنت دائماً أخرج قبل ساعة من الوقت الضروري لوصولي للمكان تحسباً للضياع بمحطات الإس- بان، أو الميترو! لذا انا أتفهم تماماً مخاوف أمي، ولكن ارتباطها بي جعلها تفقد الكثير من الوقت بانتظار قدومي. لذا شعرت أنه من الضروري لها أن تكون أكثر استقلالية، وأن تستطيع الخروج بمفردها، لتستمتع بالحياة وبشمس برلين، دون الحاجة لوجودي.

أخبرتها أنني سأبقى معها على الهاتف حتى نلتقي، بعثت لها أسماء المحطات وعددها وبأي محطة يجب أن تنزل من الباص، وأن الأمر ضروري. بصوت خافت وافقت وأرسلت بعض التنهيدات التي أحرقتني على الطرف الآخر من السماعة.. لم أكن مرتاحة لخوضها هذه التجربة، لكن ما باليد حيلة، فهي لم تقتنع سابقاً بالقيام بذلك. اتفقنا على التوقيت الذي يجب أن تأخذ الباص فيه لأكون بانتظارها في المحطة.. قلبي لم يتوقف عن الضرب بقوة وكأنني أنا من سيخوض هذه التجربة! اتصلت بها بعد 5 دقائق مستفسرة عن أحوالها: هل انتِ بخير؟ ارتدي ملابس سميكة البرد قارس في الخارج؟ أجابتني بصوت لايخلو من الغضب: “يكفي الآن اتصالات، عليي أن أُعد نفسي“.. ضحكت، وقلت لها: “حسناً، عندما تنتهي، اتصلي أنتِ”!

أتى الباص في الوقت المحدد، اتصلت وقالت لقد صعدت، أجبتها: إذن ابدئي بتعداد المحطات، عند المحطة السادسة سأكون بانتظارك.. همهمت وقالت حسناً! كانت في كامل جمالها وأناقتها، لم يظهر عليها القلق أو الخوف، لكن ضربات قلبي أنا هي من استطاع كُل من حولي سماعها! ارتديت قبعتي لأختفي في تلك اللحظة، علني أختصر الوقت، وقمت بالعد أنا أيضاً.. سألت أمي إحدى الجالسات في الباص مستخدمة لغة الإشارة وبعض الكلمات الإنكليزية لتتأكد من أنها وصلت للمحطة المتفق عليها، فأجابتها بالإيجاب.. غادرت أمي الحافلة من الباب الأمامي، وأنا نزلت من الباب الخلفي! دُهشت عندما رأتني أنزل وسألتني هل كُنتِ موجودة في نفس الباص طوال الوقت؟ حركت رأسي بإيجاب وقلت لها: “أجل، انظري إلى نفسك لقد استطعتِ الوصول بكل سلاسة، دون أي أخطاء”، ضحكت بفرح الأطفال وسألتني: لماذا؟، أخبرتها عليكِ الاعتماد على نفسكِ من الآن فصاعداً، ولكن تأكدي أني سأكون دائماً خلفكِ عندما تحتاجي لوجودي!

في وقت سابق كنت قرأت قصة لم أعد أذكر لمن، تقول إن طفلاً في الـ 12 من العمر، رغب بالسفر وحيداً لبيت جدته، وبعد إلحاح الطفل بأنه أصبح كبيراً ويستطيع القيام بذلك لوحده.. وافق والده على ذلك بالرغم من أن المسافة بالقطار تتجاوز الساعتين! ولكن طلب منه أن يحتفظ بورقة أعطاهُ اياها قبل المغادرة، وطلب الأب من ابنه أن يفتحها فقط عندما يشعر بالضيق، أو بالحاجة ليتحدث معه.. وافق الطفل وصعد القطار، أثناء الرحلة وبعد وقت قصير تملك الطفل شعور بعدم الارتياح، لقد شاهد بجواره عائلة كاملة تسافر مع بعضها وهو يجلس وحيداً! وبعد انقضاء نصف المسافة ازداد حزنه، وبدأ يفكر بوالده.. حينها مدّ يده لجيب بنطاله وتلمس الورقة التي أعطاهُ اياها والده، أخرجها بسرعة وفتحها، كان مكتوب فيها أنا موجود في المقطورة الأخيرة يمكنك أن تأتي إذا رغبت!

بقيت القصة في ذاكرتي، وحين طلبت من أمي أن تتشجع لخوض مغامرتها الأولى وتركب الباص وحدها في برلين، كنت قد صعدت إلى نفس الباص من الباب الخلفي وأنا أرتدي قبعتي حتى لا تراني، هكذا جعلتها تتغلب على مخاوفها دون أن أجازف بضياعها..

Photo: Amloud Alamir

s