Foto: Ahmad Kalaji
12. مارس 2022

هل سرق السوريون والسوريات الأضواء من الأوكران؟

تظهر الصور القادمة من أوكرانيا آثار الدمار الهائل الذي خلفته ماكينة الحرب الروسية على المدن هناك. آلاف اللاجئين على أعتاب أوروبا ممن يحتاجون المساعدة وصور كأنها من يوم الحشر! لا يسعنا كسوريين وسوريات إلا التعاطف مع هؤلاء. فلا أحد يعرف همجية وعنف الحرب أكثر منا. تعيد صور المدن الأوكرانية المنكوبة إلى ذاكرتنا، صور حلب وحمص والغوطة وغيرها من المدن، مناطق نُسفت عن بكرة أبيها. لا يسعنا سوى التعاطف والإحساس بمآساة الشعب الأوكراني. يبعث التضامن الذي نراه في كل مكان إحساساً بالوحدة والإنسانية، على الرغم من الفرق الشاسع بين تعامل الحكومات والشعوب إعلامياً وإنسانياً مع المأساة الأوكرانية مقارنة بغيرها!

خطاب مفعم بالعنصرية

مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، تكثفت جهود الإعلام في كل مكان لتغطية الحدث. لكن بعض المراسلين والمراسلات لقنوات إخبارية عريقة وجدوا ذلك فرصةً لإظهار عنصريتهم المقيتة من خلال مقارنات ما بين اللاجئين الأوكران واللاجئين من الدول الأخرى. تترد عبارات مثل “هؤلاء ليسوا لاجئين من العراق أو أفغانستان، إنهم أوكران، متحضرون نسبياً، من دولة أوروبية”. وصورتنا إحدى المراسلات وكأننا من كوكب مختلف بالقول: “إنهم يقودون سيارات مثل سياراتنا، يشربون القهوة ويقرأون الجريدة، هذه ليست سوريا! إنها أوروبا”! ثم ذهب بعض المراسلين أبعد من ذلك وقاموا بتعليقات حول لون البشرة والأعين، أو أن هؤلاء اللاجئين هم مسيحيون وليسوا متطرفين أو إرهابيين! وكأن هؤلاء كانوا بانتظار الفرصة التي تسنح لهم بالتحدث بعنصرية على الملأ دون حساب أو عقاب. فالحرب تجب المشاكل الأخرى!

غير متحضر وسرقة الأضواء!

أثارت التعليقات العنصرية والتمييز موجة عارمة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي. كما انتشر تريند #uncivilized على إنستاغرام مصحوباً بصور أشخاص من سوريا والعراق وفلسطين وغيرها من الدول العربية أو دول اللجوء الأخرى. قمت كما كُثر، بمشاركة صورتي الشخصية مع أحد الأصدقاء مع هاشتاغ غير متحضر. كانت جميع المشاركات على إنستاغرام تحمل ذات الوسم. أرسلت لي إحدى الشابات الألمانيات رسالة طويلة تعليقاً على الصورة التي نشرتها. أقتبس هنا ما أرسلته لي ج. م. بتصرف: “هناك حرب دائرة وهناك آلاف اللاجئين في طريقهم إلينا. لا أعتقد أنه الوقت المناسب لهذه الحركات. إن كان هناك تعليق عنصري أو اثنان، لا يعني ذلك أن لديكم الحق بانتهاز الفرصة وسرقة الأضواء! ليس هناك مبرر للمظلومية وأخذ دور الضحية في كل أمور الحياة”!

عد إلى بلدك!

أحسست بالاعتداء بشكل شخصي، ج. م. لا تعرف حتماً معنى الحرب ولا تعرف حتماً معنى اللجوء ولم تتعرض للتمييز العنصري من قبل. قمت بالرد عليها فوراً. هم من أقحمونا وأدخلوا أنفسهم في مقارانات تسيء لهم قبل أن تسيء لنا. الحرب لا تعني التساهل مع العنصرية ولا تبررها! ولكن رسالتي لم تلقى أي استحسان! فقد استرسلت ج. م. وأرسلت لي أكثر من 70 رسالة وتسجيل صوتي لتخبرني أن هناك العديد من اللاجئين غير المتحضرين فعلاً. ليسوا مثلي كـ “متزوج من ألمانية”! وأصرت على أني أصبحت ألمانياً على الرغم من أني لا أملك الجنسية الألمانية! وكأن اللجوء يسقط بالتقادم. قرأت ربما العشر رسائل الأولى، ولكنني قررت التجاهل بعد رسالة صوتية تقول فيها: “إن كان الأمر لا يعجبك هنا وترى ناس بلادك أفضل، لما لا تعود إلى بلدك من حيث أتيت؟”. لم أقم بقراءة أو سماع الرسائل المتبقية، فلا جدوى من النقاش!

مدركين تماماً لمخزون العنصرية في نفوس الكثيرين

دُهشت، بقيت في حيرة من أمري لعدة ساعات ودفعني الأمر للتفكير بالفعل! هل يجب التغاضي عن التعليقات العنصرية والانتظار لانتهاء الحرب لتسليط الضوء عليها؟ هل نحاول فعلاً سرقة الاهتمام؟ من غير المنصف أن يعتقد البعض أن هناك حالة من التنافس بقضية اللجوء! تحدثت مع بعض الأشخاص حول الموضوع في محاولة للوصول إلى فهم أعمق للحالة. بالنسبة لرهف عيطة، فإن التعليقات العنصرية الصادرة من جميع من قاموا بها مثيرة للشفقة! كما أنها وإن دلت على شيء، فهو الجهل والتبعية لكل ما سيخدم استمرارية المشاهدات أو رفع درجة التعاطف أو حتى الفهم للكارثة. فهؤلاء مدركين حتماً لمخزون العنصرية المتفشي أساساً في نفوس الكثيرين. ومن السذاجة الاعتقاد أن جميع الشخوص والمؤسسات يحفظون حقوق الانسان بكل ألوانه.

تعاملنا كما يجب

ترى رهف أننا تعاملنا بعفوية وغضب حقيقي مع الكارثة منذ بدايتها ولكنه تم أقحامنا في تلك المقارنة: “نحن نعرف الحرب جيداً وعشنا تجربة اللجوء ولا أعرف شخصاً واحداً سيقول؛ نعم على الآخرين أيضًا خوض هذه التجربة”. وتضيف رهف حول تعامل السوريين والسوريات مع التعليقات العنصرية وحملة Uncivilized التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي: “اضطررنا فيما بعد إلى تسليط الضوء على العنصرية المخزية والمقارنات المفعمة باللإسانية. تعاملنا كما يجب أن يكون، وليس علينا السكوت عن حقنا لأيّ سبب كان، ولم يكن ذلك استخفافاً بالأحداث او محاولة منا لسرقة الأضواء وتسليطها علينا – مجدداً – كما اتهمنا البعض”.

التعاطف أمر إيجابي ولكن..

بالنسبة لمصطفى قره حمد، الباحث بمعهد دراسات السلام في فرانكفورت، والمرشح لنيل درجة الدكتوراه بالعلوم السياسية، فقد كان التعاطف على الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي أمراً إيجابيأ، وهو ما يجب أن يحصل مع كل كارثة تؤثر على حياة المدنيين في أي مكان. ولكن ما أثار الغضب الشعبي في شبكات التواصل الاجتماعي، كان موجة التعليقات الإعلامية التي تجد ما يحصل في أوكرانيا مؤسف بشكل خاص، لأنه يحصل ببلد “متحضر، مسيحي، أبيض،أوروبي” حسب وصف عدة شبكات إعلامية غربية!

حضارة واحدة وعرق بشري واحد

يرى قره حمد أن هذا الخطاب مبني على رؤية تقليدية للعالم، ترى عدة حضارات بتصارع دائم. وهي مبنية على نظرية صامويل هنتغتون في (صراع الحضارات) التي كتبها تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. إذ رأى حضارة غربية مسيحية بيضاء، وحضارات أخرى محددة الجغرافية والتاريخ، أحدها الحضارة الإسلامية. يعتبر قره حمد أن هذا الخطاب شديد الخطورة، ليس لأنه غير دقيق علمياً، بل لأنه يستخدم في شرعنة الصراعات. وهذا ما حصل بالفعل! فقد تعامل الإعلام الغربي مع الحرب في اوكرانيا، على أنها تقع في جغرافيا الحضارة الغربية المتفوقة، وليس كما اعتاد الإعلام على تغطية الحروب في جغرافيا الحضارة الإسلامية. ويضيف قره حمد: “الحضارة الإنسانية حضارة واحدة في تقدم مستمر. الأخطر من نظرية صراع الحضارات هو أن نعود لتقسيم الناس لأعراق كما فعلت الدول الأوروبية في عهد الإستعمار والنازية خلال أربعينات القرن الماضي. البشر ليسوا فقط حضارة واحدة، بل عرق واحد أيضاً بألوان بشرة مختلفة”.

يجب أن نرفع صوتنا قبل تفاقم الوضع

يقول قره حمد إنه كان هناك تعليقات عدائية وقعت في فخ صراع الحضارات أيضاً. مثلاً من إسلاميين حاولوا تصوير الموضوع كنصر لوجهة نظرهم القائمة على الحرب الدائمة مع ما يسمونه الغرب الكافر! ولكن كان هناك توجه لرفض العنصرية دون الانخراط بفخ عداء الآخر. كما شارك قره حمد بحملة الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة أمام مسرح بمدينة ماينز حيث يسكن. ولكن ما يزعجه حقاً حسب قوله درجة تقبل المجتمع الأوروبي لهذه التعليقات العنصرية! “لم نسمع عن صحفي واحدا تعرض للمسائلة بعد تعليقاته العنصرية”! يدفعه ذلك للتساؤل حول درجة العنصرية والتمييز التي سيتقبلها الأوروبيين ضد الأقليات في ظروف الحرب والأزمات؟ ولكنه وعلى كل حال، يجد أنه من المهم أن نرفع صوتنا باكراً قبل تفاقم الوضع.

s