©Mutaz Enjila
10. نوفمبر 2021

مسرحية زقاق.. رسالة أبناء المهجر ضد التمييز!

يُعتبر “مسرح الشارع” شكلاً من أشكال الأداء المسرحي والعرض التقديمي الذي يقام في الهواء الطلق. وتُطلق تسمية “مسرح الشارع” على العروض المسرحية التي تُقدَّم لشرائح مجتمعية مختلفة في الفضاءات الرحبة، كالساحات العامة والشوارع والحدائق ومراكز التسوّق، وتتناول قضايا يومية وحالات مجتمعية مختلفة.

تُدرج هذه العروض ضمن ما يعرف بالمسرح التفاعلي أو المسرح التحفيزي، بحيث يتفاعل الجمهور مع الفنانين ويعيشون القصة المسرحية وكأنها واقعية، أي أن العرض المسرحي يُشرِك الجمهور معه ويستجيب لردود أفعاله. وغالباً ما تتصف عروض مسرح الشارع بأنها ذات سمة تحريضية، ولاغية للمسافة الفاصلة بينها وبين الجمهور من أجل تعميق تفاعلهم، وإشراكهم في القضايا المطروحة. ولإلقاء الضوء على هذا النوع الفريد من الأداء المسرحي التفاعلي، التقينا في موقع أمل هامبورغ مع محمد غنيم، وهو فنان ومدير انتاج مسرحي في مسرح تاليا بهامبورغ، وخريج أدب عربي واعلام من جامعة دمشق.

المسرح.. ومعالجة قضايا التنوع الثقافي!

محمد غنيم

تتلخص الفكرة الأساسية من تأسيس مجموعة |ال| المسرحية المقيمة في مسرح تاليا، وفقاً للسيد غنيم، في معالجة قضايا التنوّع الثقافي والتمييز العنصري في بلدان المهجر. حيث يرى، “أن ألمانيا بلد هجرة منذ عشرات السنين، وبالنظر إلى السنوات الأخيرة التي جاءت بعد سبعينيات القرن الماضي، أي بعد منح عقود عمل مكثفة للعمال الضيوف القادمين من تركيا والوطن العربي وغيرهم من دول شرق أوروبا، فإن هناك أربعة أجيال من مرحلة ما بعد الهجرة يعيشون الآن في ألمانيا. غير أن هذه الأجيال واجهت ولا تزال تواجه قضايا ومسائل عديدة تؤثر على حياتهم في هذا المجتمع، كقضية الانتماء وحالة التمييز”. ويضيف غنيم، “الحقيقة أنه بعد الجيل الثاني صرنا نتحدث عن مجتمع ما بعد الهجرة، لذلك بات من الواجب مراعاة قضية الانتماء والثقافة واللغة، ودعم الضيوف الذين أصبحوا مواطنين منذ زمن، على كل المستويات السياسية والتعليمية والثقافية، وليس فقط عن طريق الدعوة المستمرة الى “إدماجهم” في المجتمع الذي ولدوا ويعيشون ويعملون فيه كغيرهم. فالدفع نحو الاندماج المفروض، ما هو إلا دفع للابتعاد عنه، والهروب نحو ثقافة الذات والانتماء إليها. ولذلك يجب الاعتراف بأن المانيا بلد متعدد الثقافات، وتقديم ذلك للجمهور من خلال البرامج التثقيفية التي تُنتجها المؤسسات الثقافية الحكومية والمسارح والمكتبات العامة والمتاحف وغيرها”.

تأسيس مجموعة |ال| المسرحية!

وحول بدايات العمل المسرحي لمجموعة |ال| المسرحية في هامبورغ قال غنيم، “تأسست المجموعة في مسرح تاليا الشهير في هامبورغ، وهي تُنتج الاعمال الفنية والمسرحية الهادفة على خشبة المسرح منذ العام ٢٠١٨”. وبعد النجاح المبهر لعروض المسرحية السابقة “أصوات من الشتات” بأجزائها التسعة و “جبنة ماعز في علبة كبريت”، أثبتت المجموعة المسرحية الناطقة بعدة لغات، بأن المسرح الناطق بلغات المجتمع نفسه هو الحل للوصول إلى تنوع ثقافي يعكس حقيقة هذا المجتمع ويعزز الانتماء اليه.

تداخل بين المسرح والواقع!

وحول المحاور الرئيسية للأعمال المسرحية لمجموعة |ال| أوضح غنيم، “تعتمد أعمالنا منذ البدء بوضع فكرة مشروع مسرحي ما، إلى البحث عن الموضوعات والأحداث، ومن ثم معالجة المنولوجات، وحتى يوم العرض الرئيسي، على حس الواقع ونبض الشارع”. وأضاف، “لنأخذ على سبيل المثال في عرضنا الأخير لمسرحية زقاق.. اثناء التدريب حدث معنا موقف طريف، ففي احد المشاهد، كان يجب أن تركض الشخصيات الرئيسية الأربعة في الشارع وهم يصرخون Liebe “حب”, عندها ظنّ أحد المارة انهم يصرخون Diebe “لصوص”, فهرع خلفنا وقام بمسك أحد الممثلين وهو من اصل تركي ظناً منه انه هو السارق، فقط بسبب مظهره الخارجي”. وهنا عقّب غنيم، “هذا الحدث يُثبت لنا أننا في مجتمع يميّز حقاً بين البشر على أساس اللون والمظهر. وهذا الموقف ومواقف أخرى كثيرة لا تزال تحدث معنا يومياً، وغالباً ما تكون هي المحور الرئيسي لأعمالنا المسرحية”.

مسرحية زقاق!

وحول حالة المسرح الأوروبي بشكل عام وما تقدمه مسرحية زقاق بشكل خاص قال غنيم، “لقد نسي المسرح الأوروبي هدفه الرئيسي واتجه للتسلية، وهجر التركيز على القضايا المحلية مثل “الأوبئة المجتمعية” كالعنصرية والتمييز، وهو ما نقوم في مسرحية زقاق بتناوله وتقديمه للجمهور الآن”. وتابع غنيم، “تدور احداث مسرحية زقاق في حي “أوتنزن” بمنطقة آلتونا، حيث ولِد ونشأ الشاب مراد الذي يسمي نفسه “آلتوناك”، والذي ترعرع في هامبورغ، تلك المدينة الوادعة التي يعرف أزقتها وجدرانها وحجارتها أكثر من أي مكان آخر، وفيها بنى له أحلاماً وانتماءً لبلد لا يعرف غيره في هذا الكون الفسيح. ولكن المفارقة، أن أعين الناس لم تكن لترحم اختلافه، لأنهم يعتقدون بأنه لابد أن يكون لمراد “أسمر البشرة” انتماء لمكان آخر، وأن عليه الذهاب والعيش فيه! فقط لأنه مختلف بشكله، ولون بشرته الأسمر عنهم، وأيضاً لأن له عينان كالليل.. كالغسق.. كالعسل..!

حتى لا توقظ قطط الشوارع!

وفي النهاية قال غنيم، “تجربتنا مع مسرح الشارع مهمة لأننا في الحقيقة نقترب من جمهورنا أكثر، نبحث عنهم في كل زاوية، ونلوّح لهم على شرفاتهم. وفي مسرحية زقاق التي تجري أحداثها في الهواء الطلق، يتم الاعتماد على تقنية المسرح الصامت فكل شيء يًبث عبر السماعات اللاسلكية وعبر التقنيات الصوتية الصامتة وكل ذلك حتى لا نوقظ قطط الشوارع بآهاتنا”. واختتم، “يلعب أربع ممثلين شخصية مراد في آن واحد، فمراد هو الأُمُ والأخت والأخُ والأبُ في هذا الشارع، وفي الحقيقة كلنا نشبه مراد!

تم عرض مسرحية زقاق مؤخراً بتاريخ ٢٩.١٠.٢٠٢١ بالاشتراك مع الفنانين:
شاهين شيخو – وسلوميا كوشنير – نائل دوغان – آطو آبيسكو.
تصميم الصوت ماهر القاضي، تصميم الرقصات ناتسوكي.
النص لنائل دوغان، فكرة وإخراج صفية لوز.
انتاج مسرح تاليا – محمد غنيم.
العرض المقبل في عام 2022

صور من مسرحية زقاق!
Photos: Mutaz Enjila

previous arrow
next arrow
Slider