illustrations: Noah Ibrahim
21/02/2021

ليبيا وسنوات من الوجع!

الكاتبة آمال فرج العيادي

لن ننكر أن ثورة 17 فبراير 2011 قد غيرت حياتنا، وجعلتنا نكسر جدار الخوف، وصار بالإمكان إسقاط أي دكتاتور عبر التظاهر السلمي أو المواجهة مع ميليشياته، ليس في المجال السياسي ولكن في كل المجالات، جعلنا نرفض أي شيء لا نرغب فيه وفرض علينا بالقوة، كلمة نعم مُحيت من قاموسنا وحلت بدلا منها كلمة لا، فأي شيء يعرض علي حاليا أقول كلمة لا كوقف للإجراء، وبعدها أفكر وأتراجع عن كلمة (لا) إن اقتنعت!

صار شعوري الآن أمام أي كيان غير منتخب ديمقراطيا عدوانيا، حتى في البيت انعكس هذا الأمر على الأسرة، لا توجد أم أو أب يفرض رأيه على الأسرة، لابد أن نجلس ونتشاور قبل اتخاذ أي قرار ولو كان مقترحا لوجبة غذائية بسيطة، في ألمانيا نعيش الديمقراطية واقعا وليس كلاما فقط.

ورغم أن ثورات الربيع العربي كسرت جدار الخوف وأسقطت أنظمة ما كان لها أن تسقط لولا هذه الثورات وما قدمته من تضحيات من قتل وتعذيب وهجرة ومنفى وتغييب، إلا أنها فشلت إلى الآن في بناء الدولة الديمقراطية التي قامت هذه الثورات من أجلها، بل صار الوضع المعيشي في عهد الدكتاتور أفضل من الآن بكثير!

نحن فرحنا بالثورة لكن أشعر بحزن شديد لما آلت إليه الأوضاع في الوطن، أعيش في المنفى بجسدي لكن قلبي هناك، عندما يختطف إنسان اشعر أنني أنا، وعندما تنقطع الكهرباء أشعر أن بيتي في ألمانيا مظلم وعندما لا يجد مريضا الدواء في وطني أحس بالمرض أكثر منه، نحن على تواصل يومي بالوطن وما يعيشه من مشاكل عبر الانترنيت والتلفاز، ورغم اندماجنا في المجتمع الألماني وتعلمنا للغة الألمانية والانخراط في نشاطاته الثقافية والاجتماعية والفنية، إلا أن ما يحدث هناك في بلادنا يؤرقنا كثيرا.

ففي كل صباح نتلقى فاجعة جديدة، خاصة بعد انتشار وباء كورونا، حيث لا إمكانيات صحية جيدة، رغم ما ينفق من أموال على قطاع الصحة، تذهب إلى جيوب اللصوص بدلا من صرفها على الأدوية والمرضى، وعندما أفكر في الأمر أرى أن فترة عشر سنوات كافية لبناء دولة عصرية، فليبيا تمتلك المال والأرض والبحر والعنصر البشري ولا ينقصها سوى التخطيط السليم والعمل الجاد والاستقرار دون حرب أو تجاذبات سياسية تحركها أطراف خارجية ويدفع ثمنها المال والدم الليبي!

نأمل الآن من الليبيين بعد مرور عشر سنوات وما حدث فيها من موت ودمار وهدر لثروات البلاد أن يقفوا أمام عقولهم ويتوقفوا عن هذا العبث الذي سيقضي عليهم جميعا دون استثناء ويجعل بلادهم تعج بالمرتزقة والمتطرفين والمجرمين، وأن يتصالحوا ويخصصوا كل جهدهم لبناء دولتهم وليس للتقاتل فيما بينهم، وأن يحترموا دماء الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن من أجل أن تكون ليبيا ديمقراطية حضارية تؤدي دورها في العالم بشكل إيجابي يدعو للفخر.

لا أنكر أنني سعيدة بتوقف القتال بين الليبيين، وبالحوارات فيما بينهم في جنيف وبرلين والمغرب ومصر تحت رعاية الأمم المتحدة، ووصولهم إلى نقاط مشتركة تساعدهم في الوصول الى الانتخابات كي يستعيد الشعب شرعيته الضائعة والمتشظية شرقا وغربا وجنوبا، ومهما طال أمد الحوار السياسي ومهما كانت نتائجه لم ترتق إلى السقف المأمول، فتظل الحوارات أو الحروب على الطاولة والورق ومكبرات الصوف أهون من الحروب في الميدان، حيث الليبي يقتل الليبي وكلاهما للأسف يصرخ الله أكبر!

  • الكاتبة الليبية آمال فرج العيادي