سبتمبر 10, 2019

أوطان ريتّا وأحمد بين هامبورغ وبرلين

يجلس أحمد وريتا على ضفة بحيرة ألستر الخلفية في هامبورغ، هناك خلف الماء تتراءى لهما العديد من الأضواء. الصيف شارف على الانتهاء.

إنه الصيف الخامس لأحمد الذي يعيش في هامبورغ وريتا التي تعيش في برلين.

يتحدثان عن الوطن..

“الوطن حقيبة”

 أحمد: هل الوطن بالضرورة المكان الذي وُلدنا فيه؟ أم أنه شعور ما مرتبط بزمن معين عشناه كما أردنا؟

هل الوطن هو صورة واحدة؟ أو عدة صور؟ 

رغبتُ في البداية أن أنتهي من هذه الأسئلة المكررة قبل الاتجاه إلى صلب الموضوع، فالوطن مصطلح فضفاض جداً ويمكن أن يحتمل العديد من الأوجه. هو شيءٌخصوصي، ومعناه نسبيّ، يختلف من إنسان لآخر.

 

ريتا: بدأت أفكر بهذا مؤخّراً في كل مرة يسألني أحد ما ” من وين أنتِ؟”

فشعري الأسود وعينايّ البنيتان يشيران إلى بلاد بعيدة. أنا لست من وطن واحد، أنا عبارة عن مجموعة أوطان ولكن كيف يمكن لأحد أن ينتظر هكذا إجابة؟

لا أستطيع أن أقول أنا من سوريا فقط أو أنا من ألمانيا. بالنسبة لي الموضوع معقد بعض الشيء.

أشعر أن وطني هو حقيبة أحملها معي، حقيبة مؤلفة من شوارع وصور وروائح كثيرة. أفتحها كلما مسّني الحنين.

عيشة بلا وطن؟

أحمد: هل تعلمين ياريتا، أشعر أحياناً أننا سُلبنا أوطاننا، حتى تلك الحقيبة التي تتحدثين عنها اضطر الكثير منا لتركها قبل الصعود إلى القارب المطاطي بحثاً عن وطن آخر. نحن الآن وفي هذه المرحلة بالذات لسنا سوى أمام خيارين: عيشة بلا وطن أو بحث عن وطن/أوطانٍ أخرى.

لا أستطيع أن أجزم بأني لا أحتاج وطناً بالمطلق، أشعر من خلاله بألفة الأشياء من حولي، الحياة بلا وطن ستجعل الأمور أصعب في بلاد جديدة وعالم جديد. بالتأكيد هناك عوامل ثابتة تجعل من الوطن وطناً، وأنا دائم البحث عن تلك الأسباب التي تجعل أي بقعة جغرافية وطناً.

وبعد تفكير أستطيع أن أقول أن العامل الأول بالنسبة لي هو الناس، نعم الناس ياريتا يصنعون الوطن..

عائلتك، أصدقاؤك، جيرانك الفضوليون، بائع الخضار.. والكثير من الناس الذين يجعلون من هذا المكان الغير مألوف وطناً تحبينه ولاتطيقين البعد عنه.

بالنسبة لنا لا تلعب العائلة الآن دوراً كبيراً في بناء هذا الوطن الذي نتحدث عنه لأنها مشتتة في بقاع الأرض ولا يمكننا جمعها، ولكن أنا أعلم أن كل منّا يحاول صنع عائلته الخاصة به والتي يمكن أن تكون مجموعة من الأصدقاء، أحباء.. وكل أولئك الأشخاص الذين تحبين رؤيتهم، ربما زملاء العمل، سائق الباص الذي تلقين عليه التحية كل يوم، أو الجارة التي تلتقين بها كل مرة تخرجين بها من المنزل مسرعة، وكل تلك الوجوه التي بشكل ما تجعل هذا المكان مألوفاً.

ريتا: أشعر بذلك عندما أذكر مدينتي التي ترعرعت فيها والتي رحل عنها الجميع. 

وعندما أُسأل عما إذا كنت أريد العودة أم لا، أجيب “لوين بدي أرجع .. ماضل حدا!”.

الوطن والذاكرة

أحمد: أعتقد أن العامل المكاني مهم جداً ولكن لم أقصد هنا ماهية وشكل المكان ذاته. تخيلي مثلا أن يكون لوطنك شكلٌ آخر غير الذي تعرفينه به، فلنقل أنّه تم إعادة بناء مدينتك بعد أن هُدمت، فهل تبقى وطناً؟

أعتقد أن علاقتنا العاطفية مع شكل المكان وإلفتنا له  لها حصّة مهمة أيضاً، فمن الصعب أن تشعري بأن هذا المكان وطنك، وأنتِ غريبة عنه أو لم تألفيه بعد. وهنا أصل لعامل الزمان، فالأماكن يتغير شكلها بتغير الزمان. إن كانت سوريا وطني بالأمس فليس بالضرورة أن أراها وطني اليوم.

ريتا: المشكلة يا أحمد أن كل تلك المقادير مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً.. يعني ذاك الشارع القديم الذي بنيت علاقة معه وأنا في طريقي إلى المدرسة، وبائع القهوة الذي اعتاد على مجيئي كل صباح.. رائحة السمك الذي تعده جدتي.. ضحكة أمي في ليلة العيد.. وكل تلك العناصر التي لم تعد موجودة في ذاك الوطن.. ورغم ذلك فهو جزء من حقيبة الأوطان التي أحملها معي كل يوم.

عندما أمر فوق حجر قديم في شوارع برلين أشعر بأني على علاقة مع هذا المكان لأنه يذكرني بمدينتي القديمة.. عندما تبتسم لي امرأة وأنا أركض مسرعة لأصل للمحطة.. أبتسم في سرّي وأشعر بالإلفة، كذلك علاقتي مع الأشياء القديمة وسوق المستعمل .. كل هذه العناصر متصلة بشكل أو بآخر بذاكرة قديمة جميلة.. غير قابلة للتشويه رغم كل ماحصل. 

أحمد: لهذا أريد أن أقول لكِ بأن ذاكرتنا هي عامل مهم جداً من عوامل تكوين الوطن، فهي ما صنعنا وأثّر بنا وجعلنا كما نحن عليه اليوم. وهنا لديك نوعان رئيسان من البشر، الأول نوستالوجي وأحبّ أن أسمّيه “ماضَوي”، أيّ يحب الماضي، ويعتقد أنّه أجمل وأفضل ممّا سيأتي في المستقبل، مع أنّ معرفة المستقبل مستحيلة. والثاني هو عكس الماضوي، أحب أن أسميه بالـ “مستقبلي”، أيّ الذي يتوجه تفكيره للمستقبل أكثر من الماضي. وهؤلاء، برأي الشخصيّ، هم من يستطيعون صنع ذاكرة جديدة في مكان جديد، تجعله من الممكن أن يكون وطناً.

عيش الحاضر

ريتا: على الرغم من معرفتي بأني من النوع الثاني ولكني لم أستطع إلى الآن بناء ذاكرة واضحة.. حتى هنا وربما أيضاً لأني أعيش في مدينة كبيرة ومليئة بالحياة كبرلين.. أشعر أحياناً بأن كل شيء مؤقت.. 

عندما وصلتُ إلى هذه المدينة كتبت على لوح صغير كنتُ قد اشتريته من السوق القديمة: “أصنع أحلامي من كفاف يومي لأتجنب الخيبة”، لقد قالها الشاعر محمود درويش يوماً.

هذه الجملة التي جعلتني أنسى الكثير وأتابع الأن.. كل يوم بالنسبة لي هو حلم جديد. هو حياة جديدة.. ولكنها أيضاً مؤقتة.. لأن حقيبة الخيبات لم تعد تحتمل المزيد، ولأني لم أستطع حتى الآن أن أنسف الماضي، لذلك أنا لا أحتمل أي خيبة جديدة تقودني إلى مكان آخر.

أنا أعيش الحاضر ولا أريد التفكير بما سيأتي لاحقاً..

أنا هنا وأعيش الآن في وطن آني يحملني حيناً ويلفظني حيناً آخر . لم أعد أستطيع أن أتعامل مع فكرة الوطن المثالي كما كانت بالنسبة لي  سابقاً.  

“في هامبورغ لي وطنٌ”

أحمد: أستطيع أن أفهم شعورك يا ريتا،  فهنا في هامبورغ لي وطنٌ وجدته أو أوجدته بنفسي، هنا  بحثت عن ذاتي وبدأت إيجادها، ألِفت شوارع هذه المدينة وأحجارها،

اضغط على الصورة لتكبيرها

وهبتني أصدقاء أعادوا لي الحياة، وجعلت من ذاكرتي مكاناً مختلفاً عمّا كان عليه قبلاً. في هامبورغ  وجدت ما افتقدته من حرية سياسية واجتماعية جعلتني قادراً أن أكون كما أنا، من دون خوف أو رعب، فماذا ينقص حتّى يكون لي في هامبورغ وطناً؟

 

قلت إنّ لي في هامبورغ وطناً، ولكنني لم أقل إنّ هامبورغ هي وطني. إن أردت التكلم عن وطني الخاص، فهو في الحقيقة مثل هذه الصورة، خيالي على ماء، وأنا أقف على شرفة قلعة من قلاع وطني وبجانبي علمه ولا أحد يعلم ما لونه، ولا حتّى أنا. هناك، حيث ليس لخيالي حدود وهناك أحبائي الحقيقيين، لدى كلَ منهم قلعة، وفي كلَ واحدة منها لي وطن.

ريتا: أذكر المرة الأولى  التي غادرت بها برلين. كان شعوراً مخيفاً، ووجدت كل شيء غريباً خارجها، وعدتُ إليها كسمكة تعود إلى حوضها.. احتوتني هذه المدينة كما لم تفعل مدينة قط.. 

على الرغم من بعد عائلتي وعدم وجود الكثير من الأصدقاء ولكني أستطيع أن أقول بأني وجدتُ في برلين حياة طالما افتقدتها.. حياة حرّة خالية من العادات والتقاليد والنيران..

أفكر أحياناً.. ماذا لو اضطررت للهجرة مجدداً.. هل سأجد وطنا آخر؟

والجواب دائما في رأسي.. وطني هو حقيبة أفتحها كلما ضاقت الحدود..أنا مجموعة أوطان متنقلة. تتسع باتساع  قلبي.

 

 

Fotos: Ahmad Alrifaee