أغسطس 20, 2019

الرئيس الألماني يتفتتح التجمع الـ 10 لأديان من أجل السلام

على ضفاف بحيرة بودن بمدينة لينداو التابعة لولاية بافاريا، تعقد منظمة أديان من أجل السلام مؤتمرها العاشر ولأول مرة في ألمانيا، يمكنك أن تلاحظ ذلك في شوارع المدينة السياحية، حيث يسير أناس بملابس دينية مختلفة، لتصبح المدينة أشبه بكرنفال أديان كبير، وجوه مبتسمة دائمًا وتسابق لإظهار التسامح مع الآخر سواء بكلمة لطيفة بعد السؤال عن ديانة الآخر أو موطنه أو بالمبادرة بفتح حديث، تسمع أطراف حديث من هنا وهناك فيقول أحدهم: “نعم إذا كان الدين يومًا ما جزءًا من المشكلة فلا بد أن يصبح جزءًا من الحل” وبعد خطوتين تسترق السمع ليصلك صوت يقول: “لا لم يكن الدين يومًا هو المشكلة بل لطالما تم استغلاله”، وسيدة هناك تقول شيئًا حول ما يمكن أن تقدمه الأديان لحل بعض المشكلات الإنسانية، فهل سيستطيع رجال الدين تقديم حلًا ما؟

جانب من الحضور

لكل دين أن يدعي امتلاك الحقيقة ولكن!

“كل دين يدعي أنه الدين الحق وأن لديه الحقيقة المطلقة في الدنيا، فهو يعلم كل الحقائق عن السماء والأرض والله والناس، وهذا أمر مفهوم بل إن أي دين يقول غير ذلك لن يؤخذ على محمل الجد، ولكن يجب أن يكون دفاع أتباع كل دين عن امتلاكه الحقيقة بطرق سلمية وأي دين يستخدم العنف لإثبات انه الدين الحق يفقد مصداقيته”. بهذه الكلمات عبر الرئيس الاتحادي لدولة ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير عن رؤيته للأديان، وذلك خلال كلمته في مراسم افتتاح التجمع العاشر لـ “أديان من أجل السلام”.

الدين كأداة للحرب والسلام

أوضح شتاينماير بأن الإيمان يمكن أن يكون مسيرة حياة للإنسان إلى الأفضل، ويمكن أيضًا أن يتم استغلاله لتبرير نوايا غير دينية وأهداف سياسية: “أنا مسيحي أمارس عقيدتي المسيحية ولا يمكن أن ننظر بلا مبالاة إلى المقولة الشهيرة بأن الدين يعرقل السلام، لكن علينا أيضًا ألا ننسى بأن التاريخ مليء بالحوادث المغايرة، فمدينة جميلة كـ لينداو التي نجتمع فيها اليوم، شهدت حرب الثلاثين عامًا التي اشتعلت باسم الدين، والتي لم تجلب سوى الدمار والموت”، كما أضاف بأن ذلك يحدث أيضًا في أماكن مختلفة من العالم: “نرى كيف يتم تبرير العنف لمن يختلفون في العقيدة في بلاد مثل ميانمار وأندونيسيا والشرق الأوسط وباكستان، ونرى كيف أن الدين يُستغل ويتطور إلى قوى مروعة، ولهذا مؤسسة أديان من أجل السلام تبرهن لنا الوجه المقابل وهو أن الدين لا يجب أن يستغل بعد اليوم كمبرر للحرب، وبأن يتحول الدين إلى أداة للسلام وإلا ستعجز الأديان عن تحقيق أهدافها حيث تعتبر نفسها سفيرات سلام، وبالتالي تصبح مصداقية الأديان على المحك، فالسلام من أقدم التعهدات التي قطعتها الأديان على نفسها”.

ما هو السلام؟

أكد شتاينماير على أن السلام يعني لديه إمكانية المشاركة العادلة لموارد العالم واحترام الآخرين بالإضافة إلى حرية الممارسة الدينية، وبأنه دون السلام سيكون من المستحيل تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، من هنا تأتي الأهمية السياسية لما تقوم به منظمة أديان من أجل السلام، وأكد الرئيس الألماني على قناعته بأن الأديان تقدم مساهمة لا غنى عنها في خدمة الإنسانية: “الأديان تعد من أكبر القوى الاجتماعية في العالم، ونحن في ألمانيا نأخذ هذا الكلام على محمل الجد، فلدينا قسم الدين والسياسة الخارجية في وزارة الخارجية الألمانية، وأنا من خلال عملي كوزير لخارجية ألمانية قبل ذلك، أدركت جيدًا دور الدين ورجال الدين في حل النزاعات ونجح الأمر في بعض الحالات مثل كولومبيا وموزمبيق”. وختم شتاينماير حديثه بصلاة للأب فرنسيس الأسيزي: “يارب اجعلني أداة للسلام، حينما تولد الكراهية مكني أن أجلب المحبة، وحينما يوجد الخلاف مكني أن أجلب السلام”.

لأول مرة يجتمع البروتستانت والكاثوليك

حرص الأسقف الإقليمي للكنيسة الإنجيلية اللوثرية في بافاريا ورئيس مجلس الكنيسة الإنجيلية في المانيا هاينريش بيدفورد شتروم على صعوده إلى المنصة ومعه الكاردينال الألماني للكنيسة الكاثوليكية ورئيس مؤتمر الأساقفة الألمان راينهارد ماركس، وقال بيدفورد شتروم بأن هذا العام يتم الاحتفال بمرور 500 عام على الإصلاح الديني، وبأنه وللمرة الأولى في التاريخ يتم الاحتفال بالإصلاح الديني بالمشاركة مع كل من الكاثوليك والأرثوذكس: “لم نرد أن نحتفل فقط وحدنا ولكن أردنا أن نكون جميعًا معًا، أردنا بيئة أخوية كما احتفلنا أيضًا في أفريقيا”. أما ماركس فأكد على أن أهم التحديات التي تواجه الأديان الآن هي العمل معًا ضد الفقر: “نرى الآن عودة التوجهات القومية والكراهية في الكثير من الأماكن، وهو ما أعتبره من أكبر تحيديات الأديان”.

شهدت مراسم الافتتاح كلمات لممثلين عن ديانات مختلفة: كوشو نيوانو ابنة زعيم ديانة ريشو كوساي كاي من اليابان، وكاردينال الكنيسة الكاثوليكية من نيجيرا جون أونايكان، والبطريرك المسكوني بروثولوميوث بطريرك القسطنطينية المسكونية والشيخ عبد الله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، والذين أكدوا جميعهم على أهمية الدين ودوره في إرساء السلام والحفاظ على الكوكب وضمان حياة كريمة للبشر.

رعاية مستقبلنا المشترك – تعزيز الصالح العام للجميع

تحت هذا الشعار تجري فعاليات التجمع العاشر لـ “أديان من أجل السلام”، والذي حضره حوالي 900 شخص جاءوا من حول العالم، معظمهم ممثلي عدد كيبر من الديانات قد تصل إلى 20 ديانة، كالبهائية والبوذية والمسيحية والهندوسية واليهودية والإسلام والسيخية والشنتوية والطاوية والزرادشتية وغيرها الكثير، بالإضافة لممثلين عن بعض الحكومات والمنظمات الدولية والمؤسسات الخيرية والمجتمع المدني.

وحول منظمة أديان من أجل السلام قال السكرتير العام للمنظمة دكتور ويليام فيندلي في كلمته خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد عقب مراسم الافتتاح بأن المنظمة تم إنشاءها أثناء الحرب الباردة وتحديدا عام 1969 جراء الرعب النووي الذي شهده العالم وقتها، وبدأت المنظمة زياراتها إلى مراكز القوى العالمية آنذاك خاصة موسكو وواشنطن، كما أكد على أن المنظمة تستهدف الحرية لكل العائلة الإنسانية وإرساء السلام المستدام، بالإضافة إلى الالتزام الأخلاقي للحفاظ على ميراث الإنسانية. وبسؤاله عن نتائج عمل المنظمة في العالم قال فيندلي بأنه تم إرسال استبيان إلى 90 بلد عملت فيها المنظمة للاستعلام حول الأحوال قبل عمل المنظمة وبعدها، ولم تأت النتائج بتوضيح فروق بين دين ودين أو دولة وأخرى ولكن لوحظ أن طريقة رؤية الناس لبعضهم بعض تغيرت للأفضل كثيرًا، وأن صورة الأخر تعززت بشكل متبادل، يقول: “لقد سقطوا في حب دياناتهم من خلال العمل مع بعضهم البعض، ليقول بعضهم لدينا دين لم نكن نعرف أنه لدينا”. وفي نهاية المؤتمر الصحفي أكد السكرتير العام للمنظمة على أن التضامن هو رأس مال المنظمة.

Photo: Asmaa Yousuf