23/07/2019

ألبن.. وجه المسيح الذي التقيته!

قبل فترة وجيزة، التقيت شاب سويدي اسمه “ألبن”، وهو مصور صحفي، متوسط الطول بلحية خفيفة وعينان زرقاء، وشعر طويل، وبشرة فاتحة.. دون تفكير قلت له: “كم تشبه السيد المسيح”، اعتذرت سريعاً، لكنه ضحك وقال: “لستِ أول من قال لي ذلك، معظم العرب الذين ألتقيهم كانوا يقولون ذلك”.. تذكرت الصورة الموجودة بالكثير من الكنائس الموجودة في سوريا، أو في بيوت الأصدقاء المسيحيين، كانت تقدم هذه الملامح التي لاتنتمي إلى الشرق أو فلسطين إن أردنا أن نكون أكثر دقة!

ظللت أتساءل بيني وبين نفسي، لماذا تشكلت عندنا هذه الصورة؟ وهل هذا مقصود، محاولة فصل المسيح عن بيئته وناسه الذين انتمى لهم يوماً ما بشكل غير مباشر؟ أعلم أن التاريخ يكتبه الأقوياء، فهل هي الحروب الصليبية من رسخت تلك الصورة للمسيح الذي يشبههم، أم أنها الحملات التبشيرية، أو ربما المستشرقون؟ وهنا أذكر إدوارد سعيد الذي يرى في كتابه (الاستشراق) أن “القيمة الكبرى للاستشراق تكمن في كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأمريكية على الشرق أكثر من كونه خطابًا صادقًا حول الشرق -وهو ما يزعمه الاستشراق في صورته الأكاديمية أو البحثية- ومع ذلك فعلينا أن نحترم ونحاول أن ندرك ما يتسم به خطاب الاستشراق من قوة متماسكة متلاحمة الوشائج، والروابط الوثيقة إلى أبعد حد بينه وبين المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمنحه القوة، وقدرته الفائقة على الاستمرار”.

قد يكون الفن لعب دوراً، فلوحة العشاء الخير لدافنشي التي رسمت عام 1498 في عصر النهضة، وربما اللوحات الدينية قبل ذلك، والتي تنبع من المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الفنانون، وهذا ما يعتبره الكثير من الناس أنه محض خيال. قد تكون الصورة أتت كما صورها ميل جيبسون في فيلمه “آلام المسيح”، عندما أعطت امرأة قطعة قماش للمسيح يمسح بها وجهه الذي غطته الدماء، فانطبعت ملامح الوجه على القماش! ويُقال أن القديس لوقا، قام برسم السيدة العذراء وهي تحمل طفلها، لذا من المكن أن يكون هو من قام برسم السيد المسيح، لكن في الكنيسة القبطية هناك أيقونات تظهر المسيح شبيهاً بهم.

تتالى الدراسات حول ذلك في الغرب، فالجامعة اللندنية “كينجز كوليدج” أكدت من خلال دراسة قامت بها المؤرخة جوان تايلور المتخصصة في دراسة شخص المسيح والإنجيل والديانة المسيحية واليهودية، أن شكل المسيح كان مختلفاً، مستخدمة تقنية حديثة على المخطوطات القديمة، والتي تظهر أن المسيح كان صاحب جسم ممتلئ ولون جلده مائل للسمرة، والشعر واللحية سوداوين قصيرين، لكن الأنف والشفتين والعنق والعينين والجفون والحاجبين لم يتم الاستقرار وصفهم. تعتبر تايلور أن شكل المسيح المورث ليس دقيقاً، والرجل صاحب الشعر الطويل واللحية الطويلة ولون البشرة البيض والشعر البني الفاتح والعيون الزرقاء وشكل ثيابه ذات الأكمام الفضفاضة كلها تصورات خاطئة، خاصة انه في الكتاب المقدس لايوجد وصف مادي له، لكنها لم تتساءل كيف حلّت هذه الصورة في الذهن بدلاً من الحقيقة.

تصور المسيح تماماً كما ذكرت تايلور، لم تكن تلك المرّة الأولى التي يتجادل حولها الأكاديميين حول شكل المسيح، ففي عام 2015 قام الطبيب المتقاعد ريتشارد نيف بدراسة الجماجم مستخدماً تقنيات الطب الشرعي الحديثة، بالاضافة لمعلومات من الانجيل، حيث درس عدة جماجم تعود للفترة التي عاش فيها السيد المسيح، بعد ان عثر عليها في المنطقة التي ولد فيها والتي تظهر المسيح بوجه عريض وعيون داكنة ولحية كثيفة وشعر أجعد، وهو الشكل السائد في تلك المنطقة وتلك الفترة الزمنية، وحسب نيف، يسوع المسيح كان ذو بنية صغيرة الحجم، حيث بلغ طوله 150 سم ووزنه 50 كغم، وكان صاحب عضلات بسبب عمله كنجار حتى بلغ الـ 30 عاما.

هنا يتبادر لذهني، لماذا لا توجد صورة سوى للمسيح وليس لغيره من الأنبياء؟ هل هي رغبة بابقائهم في منزلة بعيدة عن باقي البشر؟ أم هي محاولات لتجنب التشبه والتشبيه بهم؟! في النهاية ألبن الآن يقوم بعمله في تصوير قصص الناس، محاولاً لفت النظر لحاجاتهم الأساسية التي يفتقدوها من ماء أو سكن، أو تعليم.. هذه القضايا يرصدها إن كانت في مخيمات اللاجئين في الأردن أو لبنان، أو اليونان، أو في افريقيا، كالكميرون أو غينيا.. تلتقط عدسته وجوه الحياة القاسية ليشهرها في وجه العالم، علّه يرى.. ربما لو تعرفتم على آلبن، ستجدون بعضاً من صفات المسيح فيه.

Photo: Magnus Aronson