مايو 14, 2019

القانون الألماني الأساسي والمقارنة الفاشلة بالدستور السوري!

عندما وصلنا إلى ألمانيا بدأت الحكومة الألمانية وضمن سياسة “الترحيب” التي انتهجتها مع وصول اللاجئين إليها بطباعة الدستور أو القانون الأساسي للبلاد باللغة العربية واللغات الأم للواصلين الجدد، لتقول للجميع أن هذا البلد يحتكم للدستور، ولا يجوز مخالفته، والالتزام به يعد خطوة من خطوات الاندماج الناجح الذي ينشده المجتمع المُضيف من القادمين الجدد. فالدستور الألماني والذي توافق في 23 أيار/ مايو الجاري الذكرى السبعون  للشروع بالعمل بمواده، يعتبر وبحسب وصف أستاذ القانون الأمريكي بيتر إي كوينت “إحدى أبرع قصص نجاح الديمقراطية في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية”، كما شكل القانون الأساسي الألماني قدوة للعديد من الدساتير الأخرى: كالبرتغال وإسبانيا وإستونيا وكذلك في آسيا ودول أمريكا الجنوبية.

لما يُدعى القانون الأساسي وليس دستوراً؟

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، منح الحلفاء حكام الأقاليم الألمانية الغربية صلاحيات تتضمن مهمات محددة، والتي اشتهرت فيما بعد باسم “وثائق فرانفكورت”. نصت الوثيقة الأولى والأهم على تنظيم اجتماع يدعو لوضع دستور فيدرالي ديمقراطي. وخشية من القائمين على الدستور من أن يسهم في تعميق وترسيخ تقسيم ألمانيا إلى شرق وغرب، لم يتم إطلاق اسم دستور عليه وإنما “القانون الأساسي”. وتشير مصادر تاريخية عدّة إلى أنه كان من المفترض أن يكون هذا الإجراء مؤقت حتى يتم توحيد البلاد وإنهاء التقسيم، وتم إقرار نص القانون الأساسي من قبل المجلس البرلماني وتوقيعه في 23 أيار/ مايو 1949 بمدينة بون عاصمة ألمانيا الغربية في ذلك الوقت. تعدل القانون الأساسي الألماني 62 مرة، التعديل شمل الوحدة الألماني، والاندماج الأوربي، والمواد المتعلقة بحق اللجوء، كما أن التعديلات يجب أن تحظى بموافقة غالبية البوندستاغ، ومن بعده البوندسرات “مجلس الولايات” بمعدل الثلثين في كليهما.

كرامة الإنسان وهيبة الدولة

ما يثير اهتمامي في القانون الأساسي الألماني المواد الـ 19 الأولى، والتي تتعلق بالحريات الشخصية، وحرية التعبير، وحرية الرأي، وحرية المعتقد الديني وممارسة الشعائر الدينية، وتوقفت كثيراً عند مواد مثل “كل البشر متساوون أمام القانون”، وخصوصاً عند كلمة “بشر” أي لم يتم تحديد الجنسية أمام القانون الألماني، بل يسري على كل البشر الموجودين على الأراضي الألمانية بغض النظر عن خلفياتهم، وجنسياتهم، وجنسهم.

مقارنة فاشلة

كانت الفكرة من مقالتي هذه أن أحاول المقارنة بين القانون الأساسي الألماني، والدستور السوري الذي عُدّل بعد قيام الثورة السورية ضمن ما يسمى الربيع العربي منذ 2011، وقد عُدّل كثيراً قبل هذا التاريخ، كون الدستور في البلاد الدكتاتورية يتم تفصيله وخياطته ليناسب الدكتاتور والحزب الحاكم.

لكن هذه المقارنة صعبة وتحمل في طياتها الكثير من الظلم للقانون الأساسي الألماني، ففي حين تبدأ مواده بـ” كرامة الإنسان لا يجوز المساس بها، وباحترامها وصونها تلتزم جميع السلطات في الدولة” يبدأ الدستور السوري مواده بــ “الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية ذات سيادة تامة، غير قابلة للتجزئة، ولا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها، وهي جزء من الوطن العربي، الشعب في سورية جزء من الأمة العربية”. وبذلك نستطيع إدراك أن كل ما حدث من جرائم بحق الشعب السوري خلال السنوات الثمانية الماضية من تهجير، وقتل، وقصف، وتدمير بنية تحتية كانت وفقاً للدستور السوري! فالمواد الأولى في الدستور السوري لم تورد أي ذكر لا لكرامة الإنسان، ولا للحرية الشخصية ولا لحرية الرأي ولا للمساواة أمام القانون، بل كلها تعلقت براية الدولة، ودين رئيسها، ونظام الحكم.. منها نجد أن الإنسان في الدستور السوري ورغم وجود مواد تدعو لاحترامه، إلا أنها كممارسة عملية على أرض الواقع لا تعني شيء، وإنما عبارة عن حبر على ورق فقط.

Photo: EPD – Jörn Neumann