أبريل 10, 2019

من المهاجر السياسي إلى الوكر.. ثقافة اندماج مختلفة!

 مكان حميمي، وأثاث مرتب على عجل، بعضه صنع جراء إعادة تدوير بعض الموجودات في المكان، والبعض الآخر تم شراؤه من القائم عليه عبر تطبيقات الأدوات والأثاث المستعمل في الإنترنت. النظرة الأولى للمكان لا توحي بأنه مقهىً ثقافي، وكأنه هارب من مقاهي منطقة كرويتزبيرغ البرلينية ليحط في منطقة برجوازية من مناطق فينسيا الشمال هامبورغ. هذا ما حاولنا فك رموزه مع القائم على المكان أنس عابورة وصاحب فكرة المقهى الثقافي الذي يسميه دائماً الوكر. وعن سبب هذه التسمية قال أنسالوكر بالنسبة للحيوان هو بيته، وبالنسبة للإنسان هو المكان الذي يشعر به بالأمان والطمأنينةهذا بالنسبة للناطقين باللغة العربية أما عند الناطقين بالألمانية فللمكان اسم آخر المهاجر السياسي“.

مرحباً بالإنسان

أنس عابورة

لحظة دخولك المكان يواجهك لوحة جدارية كبيرة، تحمل شعار حملة ويلكم ريفوجيز، لكن أنس بمساعدة بعض الفنانين قاموا بكتابة هيومن ويلكمأي الترحيب بالإنسان، ربما جعلني هذا الملصق أغوص أكثر في دوافع إنشاء المكان، والذي يشابه الكثير من الأماكن التي تم افتتاحها ما بين عام 2015 و2016 ضمن ما عُرف بثقافة الترحيب باللاجئين. يقول أنس: عندما بدأنا هذا المكان كان مشروع قديم منذ أواخر عام ٢٠١٣ يحاولون إعادة الحياة إليه، في بدايات عام ٢٠١٦ أعطوني المفتاح وقالوا يمكنك استخدامه للقيام بنشاطات متعددة، فبدأت الناس تلتفت للمكان من كل الجنسيات، وفي هذه اللحظة وجدت أن هناك حاجة ملحة للمكان، لعدم توفر مثل هذا المقهى ولخصوصية ما يقدمه”. أنس ومن خلال اللوحة الجدارية أوضح أن لديه العديد من التحفظات على سياسة الترحيب والتي اعتبرها ثقافة مدعية“.

إشراك القادمين الجدد بدلاً من الحديث عنهم


لهذا عمل أنس والقائمون على
كوما كافيهلأن تكون النشاطات والفعاليات ليست موجهة فقط للقادمين الجدد أو اللاجئين وإنما قادمة منهم ولأجلهم, بحسب رأي أنس: الخيارات البديلة كانت تذهب باتجاه استخدام اللاجئ كموضوع أو كمادة وليس كشريك، وفعلياً الخيارات البديلة لم تقدم ما يرغب به الجمهور، وإنما ما كان الألماني يريد و يرغب“. أما عن ماهية الفعاليات والأنشطة التي ينظمها المكان، فوفقاً لأنس هي ثقافية واجتماعية بحتة، تسعى لوضع قدم للثقافة العربية وغير العربية في هامبورغ: خلال 3 سنوات كان العنصر الأساسي هو الموسيقى، وهناك عروض أفلام وقمنا بإنتاج مسلسل صغير اسمه Hello Deutschland مبني على شخصيات من هذا المكان“. كوما كافي بحسب أنس يختزل الثقافات الموجودة في المدينة. وهذا ما ينعكس على الجمهور المتنوع، وإن كانت القاعدة الجماهيرية الأكبر هي من السوريين، فإن أنس لا يسعى لأن يتم تجنيس المكان بجنسية معينة بل هو للجميع.

من مرحلة التشبيك إلى مرحلة التأثير

استطاع كوما كافي وضع قطعة في الفسيفساء الثقافية في هامبورغ، وبجانب إنشاء قاعدة علاقات وشبكات مع وبين المتواجدين في المدينة، انتقل المكان الآن إلى مرحلة التأثير في المجتمع، وهو ما جعل الكثيرين ينظرون للمكان على أنه نموذج للثقافة البديلة، مما حدا بالعديد من المسارح بأوربا بحسب أنس للتواصل مع الفريق القائم على المكان لاستنساخ التجربة ووهو مايراه أنس صعب بسبب اختلاف الظروف في كل بلد. كما حصل على جائزة ثقافية متخصصة لشمال هامبورغ بجانب جائزة قوة الفن “The power of the Art”مما يشكل اعترافاً بأهمية ما يقدمه ويضيفه كوما كافي للمجتمع في هامبورغ .

نادي مكدوس

قدور الطبخ في الوكر

لا تختصر نشاطات كوما كافيه على الموسيقا وعروض الأفلام والنقاشات حولها وكثير من الفعاليات الأخرى، بل يتم تنظيم فعاليات في قاعات مسرح كامبنيجيل Kampnagel”، في مدينة هامبورغ، شمال ألمانيا، واحد من أكبر المسارح المسيسة المعروفة بنشاطها السياسي وطابعها اليساري في البلاد. كما أطلق أنس مبادرة نادي الطبخ أو ما أسماه مكدوسوهي الأكلة الشعبية المنتشرة بكل أرجاء بلاد الشام تقريباً، حيث يتم دعوة الأشخاص المهتمين لتعلم طبق معين من ثقافة مختلفة، ومبادرةً من أنس يقوم بجمع معلومات حول هذا الطبق ليحكي حكايته للحضور مع خلفية موسيقية مناسبة. الوكر كما يسميه سوريو هامبورغ ساهم في تغييرات كبيرة في حياة مرتادوه، منهم من تزوج، ومنهم من دخل في علاقة من خلال هذا المكان، ومنهم من عمل أو بدأ دراسة أو.. أو.. إلخ، يضيف أنس: المقهى الثقافي خلق تغييرات في كلا المجتمعين، وكذلك على مستوى الأفراد“. وفي نهاية اللقاء أصرّ أنس على أن تكون خاتمته بأن الاندماج لا يكون من طرف واحد، وإنما من طرفين، فكما تطلب مني أن احترم ثقافتك، وأنت أيضاً عليك احترام ثقافتي“.

Photos: Anas Aboura