أبريل 10, 2019

مشكلة السكن في هامبورغ.. عراقيل وسماسرة وعنصرية!

“السكن.. أزمة السكن.. إنه السكن.. لا يوجد شقق.. الوضع يزداد صعوبة مع الإيجارات!!”. لم أكد أسأل أي من أهالي هامبورغ عن أهم مشاكل المدينة إلا وأسمع كلمة السكن أو أي شيء له علاقة بالسكن، المدينة الأهم اقتصاديًا في ألمانيا والتي يعيش فيها حوالي 55 ألف لاجئ تحتاج إلى أكثر من 4800 وحدة سكنية للاجئين وفقًا لتقرير mopo. حيث تستهدف حكومة ولاية هامبورغ نقل حوالي 4300 لاجئ إلى سكن عادي خارج مراكز الإيواء المؤقتة، ولا تتوقف مشكلة السكن في المدينة فقط عند نقص عدد الوحدات السكنية المتاحة، ولكن قانون الإسكان نفسه أحيانًا يمثل عقبة من حيث ضرورة تناسب عدد غرف الشقق مع عدد أفراد الأسرة الواحدة، وهو أمر يصعب تحقيقه بدقة ومثالية، ما ترتب عليه معاناة الكثير من القادمين الجدد نظرًا لزيادة عدد أفراد الأسرة الواحدة بالعديد من الحالات عن 4 أفراد.

إنعدام الخصوصية!

فتحت لنا الزوجة الباب الأساسي والذي يواجهه باب الحمام، ثم باب آخر مؤدي لغرفة نظيفة فارغة إلا من كنبة يواجهها شاشة تلفاز، وبداخل الغرفة غرفة أخرى فيها مجموعة من الأسرة أشبه بأسرة المشافي، يقسم الغرفة خزانة ملابس في محاولة لخلق غرفة أخرى افتراضية بها باب مؤدي لمساحة تستخدم كمطبخ. في هذه المساحة يعيش 7 أفراد، الأب رمضان حسين (40 سنة) من سوريا وزوجته غيثاء وخمسة أبناء مراهق 11 سنة وفتاة 10 سنوات، 6 سنوات، 4 سنوات والأصغر 9 شهور. يقول رمضان: “غير مسموح لنا حتى بإحضار مفتاح للغرفة أو حتى تقسيم الغرف، أنام أنا وزوجتي على الأرض في غرفة التلفاز، لا يوجد أي خصوصية لأي منا، الأولاد إذا أرادوا الذهاب للحمام يخرجون من الباب بينما نحن نائميَن، الأمر في غاية الإحراج والأولاد ينامون جميعهم في غرفة واحدة بها حاجز وهمي عبارة عن خزانة الملابس”. يواجه رمضان وأسرته صعوبات كثيرة بالإضافة لانعدام الخصوصية تتمثل بصعوبة قيامه هو أو أبنائه باستذكار دروسهم.

ضيق ومشاكل؟

رشا كامل (34 سنة)، مصرية ألمانية، تعمل في إحدى دور المدارس وأم لثلاثة أطفال فتاتين 14 و12 سنة وطفل 9 سنوات، تعيش مع أبنائها وزوجها في شقة 54 متر مكونة من غرفتين، “الفتاتان تكبران، تبديل ثيابهما أصبح مشكلة كبرى، لا يوجد أية خصوصية لأي منهما، ولا لي ولا لوالدهم، احتجزت جزء من غرفة النوم بخزانة ملابسي للفتاتين والجزء الآخر به سرير صغير لي ولابني ذي التسعة أعوام، زوجي ينام على الكنبة في الغرفة الأخرى، كلما كبر الأولاد كلما ضاقت عليهم الشقة كلما زادت المشكلات بيننا جميعًا، فلا مكان للاستذكار ولا مكان للنوم” تقول رشا، فما يزيد الوضع سوءًا أن الزوج يعمل في توقيت ليلي ويحتاج للنوم مبكرًا، لكن مكان نومه هو نفسه غرفة جلوس وطعام الأسرة، “هناك صراع على المكان طوال الوقت”.

لماذا الـ “توت مي لايد”؟

“توت مي لايد”، ليست مجرد كلمة تعني آسف باللغة العربية، فهي تمثل جملة يخشاها كل من يبحث عن سكن في هامبورغ لشدة ما تجلبه من إحباط، يقول رمضان حسين: “لقد زرت أكثر من 100 شقة حتى الآن، وفي كل مرة السبب الأساسي للرفض أنه من الصعب إيجاد شقة لـ 6 أشخاص و7 أشخاص، حتى أنني وجدت منزل 6 غرف قالوا لي لا، لابد أن يكون 7 غرف، ونحن يكفينا أربع أو خمس غرف، فلدي أبناء صغار يمكن لاثنين منهم أن يستخدموا غرفة واحدة” وتشاركه نفس الشكوى رشا كامل، فرغم أنها تحتاج لعدد غرف أقل من رمضان إلا أنه دائمًا ما يتم رفض طلباتها فإذا ماوجدت 3 غرف كبيرة قالوا لا بحد أدنى 4 وإذا ما وجدت 4 قالوا لا.. لا يمكن أقل من 5 غرف، فأيهما أفضل أن تتكدس أسرة مكونة من 7 أو خمس أفراد في غرفتين أم في أربعة غرف؟

التشبث بالمدينة؟

“إذا أردتِ البحث عن شقة فلتذهبي إلى الحلاق!” هكذا أجابني أحد الأصدقاء المقيمين بهامبورغ. ذهبت إلى الحلاق، شاب فلسطيني يعمل بمحل حلاقة، يأتي إليه العرب ليسألوه عن سمسار، ولكنه لا يمكنه مساعدتهم فهو نفسه يبحث عن شقة له ولزوجته وأبناءه الأربعة (14 سنة و9 سنين وسنتين وسنة) “بدلًا من الشقة ذات الغرفتين التي يعيشون فيها جميعًا حيث ينامون جميعًا في غرفة واحدة بلا أدنى خصوصية” وبدأ أشرف رباح يقص علي قصته بينما يجلب لي كوبًا من القهوة مع سيجارة، فنحن عرب ولابد من أن يضايفني قدر استطاعته.. يقول أشرف: “السبب في مشكلة السكن أن الجميع يريدون البقاء في المدينة، والأطفال يكبرون وبالتالي يبحث الجميع عن شقق أكبر، لتزداد المشكلة”. وحول مشكلة السكن على أطراف المدينة لا يرى رباح أي غضاضة في ذلك طالما سيجد المواصلات التي يستطيع من خلالها الذهاب لعمله يوميًا.

قريش هامبورج

لا تحتاج سوى أكثر من ساعتين سيرًا في شوارع المدينة والتحدث بشكل عفوي مع المارة ومرتادي المطاعم والسوبر ماركت وسوف تسمع أسماء غريبة معظمها منتحل، مثل قريش ذاك الذي جمع مئات آلاف اليوروهات من كل من الباحثين عن سكن من العرب كسمسرة، يقول رمضان حسين: “سألت وقام البعض بنصيحتي بالذهاب لقريش، يمكنني أن أدفع له مبلغًا من المال ليجد لي شقة، وعندما ذهبت مكتبه وجدت الشرطة محيطة بالمكان لتلقيها العديد من البلاغات حول قيامه بالنصب، بينما هو هرب، وأوكسانا التي كانت تذهب إلى المخيمات كمترجمة للعربية استطاعت النصب على مجموعة من اللاجئين وهربت ولم يعلم أحد مكانها”. كما تعرضت رشا إلى حالة نصب من سمسارة عربية: “سجنت وتم اطلاق سراحها قريبًا”. لكل هذا يرفض أشرف رباح ذكر أي اسم لأي سمسار أمام الباحثين عن شقق، يقول: “فقط أقول لهم اذهبوا لشركة زاجا أو أي شركة أخرى”.

العنصرية أم الصورة النمطية؟

يظن رمضان حسين أن الأمر به شيء غير مفهوم: “قد يكون السبب زوجتي المحجبة لأنني رأيت أكثر من عائلة أخرى ثمانية أفراد وأبنائهم كبار وأعطوهم 5 غرف، لكن الفارق أن النساء في العائلة الأخرى غير محجبات، كما أننا ذهبنا الأسبوع الماضي لرؤية إحدى الشقق وكان معنا عائلة شيشانية، السيدة الألمانية بمجرد أن نظرت إلينا قالت لا نؤجر مكتب العمل، دون حتى أن تعرف إن كنا تابعين لمكتب العمل أم لا، في نفس الوقت كان هناك شاب أفغاني ومعه سيدة ألمانية وأخذت صاحبة المنزل أوراقه، فتحدثت معه وكانت ألمانيته ضعيفة للغاية وعرفت منه أنه تابع لمكتب العمل”. وبسؤالي له عما إذا كان يبحث عن حلول فأجاب بأنه في إحدى زياراته للبلدية تحدث إلى الموظفة قاصًا عليها معاناته سائلًا إياها النصيحة فأجابته: “ابحث عن شخص ألماني يساعدك”.

ويشكو رمضان كون دوائر معارفه خالية من الألمان. على الجانب الآخر يظن أ. أ متطوع سابق مع بعض جمعيات مساعدة اللاجئين، أن مشكلة الإسكان في هامبورغ إلى جانب أنها مشكلة حقيقية وآنية، إلا أن العديد من أصحاب المنازل لا يحبون أن يؤجروا العرب ظنًا منهم بأنهم “يدخنون الشيشة ويحدثون ضوضاء بسبب الأطفال”، وهو ما لا أراه سببًا مقنعًا فلكل منزل قواعد مدونة في العقود يلتزم بها السكان، هذه المخاوف لا تعد سببًا منطقيًا لترك الناس متكدسين فوق بعضهم البعض في منازل اللاجئين أو في الشقق الضيقة.

Photo: pixabay.com