أبريل 10, 2019

رحلة لا تنسى من ستوكهولم إلى هامبورغ!

يصعب علي الآن أن أصف شعوري وأنا أزور هامبورغ بعد خمس سنوات تقريباً لأتجول في شوارعها وهي المدينة الألمانية الأولى التي أطأ أرضها مع أطفالي. حاولت أن أُجنبها وجع التهم الجاهزة التي تلقيتها من عيون مضيفة الطيران التي كانت ترميها علي بين الفينة والأخرى. لكل قادم قصته التي قد يرغب أن لايقولها لأحد إلا بعد أن يمر زمن طويل عليها.. لكني رغبت أن أُشفى من تلك الذاكرة.

قبل خمس سنوات تقريباً وبسبب اتفاقية دُبلن لم يُسمح لي بالبقاء في السويد وذلك بعد انتظار خمسة أشهر، ليأتيني الرد برفضهم طلبي بالرغم من وجود معظم عائلتي هناك ومنذ سنوات طويلة. لكن القانون في تلك الأيام لم يكن يقبل من لديه فيزا لبلد أوروبي معين أن يقدم طلب لجوئه في بلد آخر. رافقني شخص من مكتب الهجرة السويدي الى المطار ومعه جوازات سفرنا التي قدمناها سابقاً للمكتب، لم يسلمني اياها بل أعطاها لكابتن الطائرة قائلاً أنه في هامبورغ سيتم التعامل مع وضعي دون أن يشرح لي أية تفاصيل. لم يقوموا بتفتيش حقائبي التي كانت تملك ذكريات مدن كثيرة مررت بها قبل أن تغادر مطار ستوكهولم، لتحمل أيضاً الكثير منها في مدن ألمانية أخرى.

لكن الوصول كان قاسياً.. لا أدري إن كان وصول أم اقتياد أم… ففي الطائرة كانت المضيفة والتي حجمها أكبر من ثلاثة أشخاص ضخام الجثة، هي المشرفة على مراقبتنا، ربما حتى لا نطير منها في الهواء! المضحك المبكي أني كنت مع طفلي الصغيرين وخمسة حقائب، فكيف يمكن لشخص بمثل وضعي أن يهرب.. كانت الطائرة ممتلئة وأنا أخاف أن تلتقي عيني بعينيها، لا أدري لماذا.. فقد تكون لدي احساس بالذنب كوني في موقع المتهم أو الشرير أو المتعدي على القانون.. كان ذهني مشوش جداً لدرجة لم أمتلك أية فكرة أستطيع أن أقدمها لولدي مفسرة سبب تركنا لأهلنا مرة أخرى وكأنه كُتب علينا الترحال وعدم الاستقرار.

وصلت الطائرة مطار هامبورغ.. غادر كافة الركاب إلا نحن، بقيت تلك المضيفة بوجهها البارد والذي لم يكن يقوم بأي حركة تنبأني متى يجب أن أتحرك.. بقيت مع أولادي الذين أصابهم التوتر من احتجازنا في الطائرة بعد مغادرة جميع ركابها.. نهضت باتجاهها وقلت لها إلى متى يجب أن ننتظر هنا، قالت حتى يقرر كابتن الطائرة ذلك.. حينها وجدت ضالتي، تحركت باتجاه قمرة الطائرة وأطفالي يمسكون بثيابي من الخلف.. نظرت لهما ضاحكة كي أخفي توتري وأبدد قلقهما قائلة سنقوم بزيارة عمو الطيار.. وإذ به يقف مبتسماً أمام المقصورة ومعتذراً أنه مثلي بانتظار ضابط من شرطة المطار ليتم تسليمنا له.

استطعت أن أحبس تنهيدة كادت تخرج، عندما نظرت في عيني طفلي سألت الكابتن مازحة إن كان يستطيع ولدي في هذه الأثناء ونحن ننتظر أن يرى قمرة القيادة، نظر بعيني ولدي ليشي الخوف بهما، استجاب بشكل مفاجئ، ولم أتوقع ذلك، دخل ابني القمرة والتقطت له بعض الصور وهو يمثل أنه يقود الطائرة وأنا أتسائل ماذا ينتظرنا هنا؟

وصلت سيارة الشرطة وركنت أمام درج الطائرة مباشرة، لم يكن بإمكاني أن أدوس أرض المطار وإنما من الطائرة الى داخل السيارة مباشرة، محاطة بثلاثة رجال شرطة.. في هذه اللحظة لم أتمكن منح أولادي أي إحساس بالطمأنينة، بل كنت أرتجف.. حملت ابنتي ومسكت بيد ولدي الذي ضغطها قليلاً قائلاً سأبقى معك.. لا تخافي.

ورد في قمرة القيادة يتلقى المعلومات من كابتن الطائرة – مطار هامبورغ

Foto: Amloud Alamir