أبريل 9, 2019

أبناء العائلات المسلمة في ألمانيا وصعوبات الحياة بين عالمين

غالباً ما يكون لأطفال العوائل المسلمة الذين يترعرعون في ألمانيا مشاكل وصعوبات أبرزها التناقضات بين حياتهم المنزلية من جهة، والمدرسة والمجتمع من جهة أخرى.

هكذا وصف الفيلسوف والباحث الإسلامي ينس لويتلوف واقع حياة العديد من أطفال ويافعي العائلات المسلمة في ألمانيا بمحاضرة تعريفية ألقاها عن طرق تربية الأطفال في مجتمعات وعوائل ذات صبغة إسلامية، بالإضافة للحديث عن القوالب النمطية التي تنتهجها هذه العوائل المقيمة في ألمانيا، وانعكاساتها على المجتمع والإندماج. نظم المحاضرة مؤسسة دياكوني Diakonie بالتعاون مع بريسبيكتف هامبورغ Perspektive Hamburg.

نوه المحاضر ببداية حديثه حول معرفته الجيدة بالمجتمعات المسلمة استناداً لتجربته العيش والدراسة في مصر، بعد إتقانه اللغة العربية، كما أكدّ على ضرورة الاختلاط بالمجتمعات أولاً قبل تحليلها أو الحديث عنها لتجنب الأحكام المسبقة.

التربية وفروقات العادات والتقاليد بين المجتمعات

قبل الدخول في صلب الموضوع أعطى لويتلوف لمحة عن الإسلام والمسلمين، وبيّن أن الحديث عن المسلمين ككيان واحد فكرة سطحية، فعدد المسلمين اليوم تجاوز الـ 1.8 مليار حول العالم، متنوعين ومختلفين عن بعضهم البعض في كثير من المواطن، بدءًا من الطائفة والمذهب إلى الإتجاه العقيدي والفقهي، وصولاً إلى التنوع الجغرافي، فلا تكاد زاوية من العالم تخلو من المسلمين.

ركّز لويتلوف بعد ذلك على الفروقات بين مجتمعات القادمين الجدد ذات الخلفية الإسلامية، والمجتمع الألماني، وأكّد على أن معنى الإندماج لن يتحقق إلّا عن طريق معرفة الآخر، والإطّلاع على خلفيته ثم التحدث إليه، فالصبغة العامة للمجتمعات المسلمة ذكورية، مبنية على أساس وصاية الرجل على المرأة، كما أنّ لها قيماً أخرى للتربية.

استغل لويتلوف هنا تركيز الحضور وبدأ بسرد أحداث تدور في أحد العوائل العربية المقيمة في ألمانيا بطريقة طريفة، تبيّن كيفية انعكاس قيم وعادات المجتمع الأصلي على العائلة حتى وإن ابتعدت جغرافياً عنه. حوار صباحيّ قبل الذهاب إلى المدرسة بين فتاة في سن المراهقة وأبيها، تصبغه صيغة الأمر والحزم من طرف الأب.

بقيّ لويتلوف مع مثال هذه الفتاة التي قدمت لاجئةً إلى ألمانيا مع عائلتها، وانتقل بالسرد معها إلى المدرسة، كيف تتم مخاطبتها من قبل المعلم/ ـة، ماذا تسمع من أصدقائها وصديقاتها الألمان عن حواراتهم العائلية، وعن المسموح والممنوع لديهم. الفتاة تسمع وتقارن، تجد الكثير من التناقضات، وغالباً لا تعرف ما هو الأفضل، أو بأيّ نمط ترغب أكثر. هكذا يصل لويتلوف إلى مغزاه من هذا السرد، وهو تبيان الصعوبات الكبيرة لدى هؤلاء الأطفال في التعايش مع التناقضات على مستوى القيم والعادات والتقاليد بين المدرسة من جهة، والعائلة القادمة حديثاً من مجتمع مختلف من جهة أخرى، بعد مرورها برحلة لجوء، ما كانت لتخوضها لو لم تعاني هذه العائلة في بلدها الأصليّ.

ألمانيا الملونة

عاد لويتلوف بعد ذلك للحديث عن صعوبات إندماج هذه العوائل مع مجتمع “غير طبيعيّ” على حد تعبيره، وهنا استهل حديثه عن المجتمع الألمانيّ وسلبياته وصعوبات التعامل مع طبيعته الخاصّة. وليوضح الصورة، روى لويتلوف أيضاً قصصاً من المجتمع الألماني تبين اختلافه عن كل المجتمعات المحيطة به بطريقة غرائبية حيث قال: “اليوم وبعد أن أصبح لدى 30% من سكان هامبورغ أصول مهاجرة، و50% من غير البالغين -تحت 18 عاماً- لم يعد لأحد الحجة أن يبقى منعزلاً، ألمانيا اليوم ملونة، وأجد ذلك جميلاً”.

وكتأكيد على أن المجتمعات تتغير بعوامل مثل الظروف والزمان، طرح لويتلوف السؤال: “من تتوقعون أنها كانت أكثر حرية، المرأة التونسية أم الألمانية العام 1955؟” فنظراً إلى أن ألمانيا كانت قد خرجت حديثاً في ذلك الوقت من الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية على المجتمع ومدى انفتاحه وتحرره، كانت تعيش تونس حالة من الحرية على عدة أصعدة، فالقانون التونسي منح المرأة حق المساواة مع الرجل عام 1950، بينما كانت ألمانيا متأخرة فعلياً بهذا المضمار.

التخلص من خرافة أسلمة ألمانيا

بعد أن بدأ الحضور بالتسارع للإجابة على سؤاله، ختم لويتلوف المحاضرة قائلاً: “أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أعيش فيه في مدينة ألمانية، أرى إمرأة محجبة مع أطفالها في الطريق، دون أن أرى نظرات الناس في الشارع تتوجه إلى هذه المحجبة وكأنها من كوكب آخر، أو كأنها رمز لأسلمة أوربا/ ألمانيا”.. بإشارة لدعاية حزب البديل من أجل ألمانيا المعادي للمهاجرين AFD.